عمق الكلام | عوض عمر الشائب | الغربة وصدق الإنتماء للوطن

صوت الشارع
مقالات وكتاب
عمق الكلام | عوض عمر الشائب | الغربة وصدق الإنتماء للوطن
في زحمة الحياة وتكالب طموحاتها تضطر ظروف العيش الكثيرين إلى حزم حقائبهم ومغادرة الديار تاركين خلفهم ذكريات الطفولة ودفء العائلة ووجوه الأصدقاء يرحل “الغريب” بحثاً عن رزق أو علم أو مستقبل أفضل مبحراً في محيطات الاغتراب الجغرافية والنفسية ولكن كما تردد الذاكرة الشعبية الوجدانية دائماً “الغريب مهما طال غيابه مصيره أن يرجع ثانية إلى أهله وأصحابه” في حقيقة إنسانية راسخة تثبت أن بوصلة الروح لا تخطئ طريق العودة أبداً الغربة ليست مجرد انتقال جغرافي من بقعة إلى أخرى بل هي حالة نفسية مركبة يختبر فيها الإنسان أقصى درجات التحمل في بلاد الناس يبني المغترب نجاحاته بصمت متجرعاً مرارة الوحدة والغربة ومكابداً صعوبات الحياة اليومية يفتقد المغترب التفاصيل الصغيرة رائحة قهوة الصباح مع العائلة ضحكات الأصدقاء العفوية والمشاركة في أفراح وأتراح من يحب خلف كل إنجاز يحققه المغترب تقف غصة الحنين وألم الغياب الذي ينهش في الروح مهما بلغت درجات الرفاهية المادية ورغم كل ما يقدمه المهجر من فرص تظل صورة الوطن والأهل هي النور الذي يضيء عتمة الغربة إن الأمل في العودة هو الوقود الحقيقي الذي يدفع المغترب لمواصلة الكفاح كل رسالة من أم وكل مكالمة مع صديق تعيد ترميم روحه المنهكة يقول علماء النفس والاجتماع إن الارتباط بالجذور هو حاجة فطرية وإن الإنسان مهما حاول التكيف مع بيئات جديدة يظل مسكوناً بانتمائه الأول هذا الانتماء هو الذي يجعل الغريب مهما امتدت سنوات ابتعاده يرى في العودة تتويجاً لرحلة شقائه ونهاية حتمية لقصة إغتراب. تأتي لحظة العودة كالسحر الذي يبطل مفعول كل ألم عندما تطأ قدما المغترب أرض الوطن وتلتقي عيناه بوجوه أحبته تحدث معجزة الوجدان الكبرى في تلك اللحظة الفارقة ينسى الغريب آلامه وشجونه ويمحو دفء اللقاء كل حرمان وعذاب مكابده في سنوات البعد فالدموع التي تذرف في صالات القدوم بالمطارات ليست سوى غسيل للروح من أدران الغربة ففي حضن العائلة والأصدقاء يستعيد الإنسان هويته الكاملة ويشعر بأن كل تضحياته قد أثمرت بمجرد رؤية ابتسامة الرضا والفرح على وجوه من يحب.
عمق اخر…
تظل الغربة محطة استثنائية في قطار الحياة مهما طال الوقوف فيها وكما تعود الطيور المهاجرة إلى أعشاشها مهما حلقت بعيداً يعود الإنسان إلى جذوره فالوطن ليس مجرد أرض بل هو الأهل والأصحاب والملاذ الآمن الذي تذوب فيه كل الآلام لتتحول قسوة الغياب إلى مجرد ذكرى عابرة أمام عظمة الحضور وصدق الانتماء



