مقالات وكتاب

جرة قلم | نسيبة خالد | عندما يصبح التعليم مجرد سلعة

صوت الشارع

مقالات وكتاب

جرة قلم | نسيبة خالد | عندما يصبح التعليم مجرد سلعة

 

قراءة في واقع التعليم السوداني تحت وطأة الحرب

لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان مجرد مواجهة عسكرية أوقفت عجلة الدولة وأثقلت كاهل المواطنين، بل امتدت آثارها إلى أحد أهم القطاعات الاستراتيجية في البلاد: قطاع التعليم. فبين المدارس التي أغلقت أبوابها، والجامعات التي توقفت عن أداء رسالتها، والطلاب الذين وجدوا أنفسهم بين النزوح واللجوء وفقدان الاستقرار، برزت ظاهرة خطيرة تتمثل في تحول التعليم من حق أصيل تكفله الدولة إلى سلعة تخضع لمعادلات السوق والقدرة المالية.

لقد كشفت الحرب هشاشة البنية التعليمية في السودان، وأظهرت حجم الاعتماد على الظروف الطبيعية لاستمرار العملية التعليمية. فبمجرد انهيار مؤسسات الدولة في مناطق واسعة، وجد ملايين الطلاب أنفسهم خارج الفصول الدراسية، بينما بدأت بعض الجهات التعليمية في البحث عن بدائل تضمن استمرار نشاطها، ولو على حساب العدالة التعليمية وتكافؤ الفرص.

في خضم هذه الأزمة، أصبح الحصول على التعليم مرتبطاً أكثر من أي وقت مضى بالقدرة على الدفع. فانتقال بعض المؤسسات إلى ولايات أكثر أمناً أو إلى خارج السودان، وفرض رسوم إضافية على الدراسة والامتحانات والخدمات الأكاديمية، جعل آلاف الأسر السودانية عاجزة عن ملاحقة تكاليف تعليم أبنائها في ظل أوضاع اقتصادية منهارة أصلاً.

ولعل المأساة الأكبر أن الحرب ضربت الفئات الأكثر هشاشة. فالطلاب النازحون واللاجئون وأبناء الأسر التي فقدت مصادر دخلها وجدوا أنفسهم أمام معركة جديدة لا تقل قسوة عن الحرب نفسها؛ معركة الحفاظ على حقهم في التعليم. وبينما استطاعت بعض الأسر المقتدرة توفير بدائل تعليمية لأبنائها، بقيت أعداد كبيرة من الطلاب خارج المنظومة التعليمية، مهددين بالانقطاع الدائم أو التسرب الكامل.

الأخطر من ذلك أن الأزمة لم تعد تتعلق فقط بالوصول إلى التعليم، بل بجودة التعليم نفسه. فمع استمرار الحرب وتشتت الكوادر الأكاديمية وتدمير البنية التحتية، أصبحت الأولوية في كثير من الأحيان هي استمرار الدراسة بأي شكل، وليس ضمان جودة المخرجات التعليمية. وهنا يبرز خطر حقيقي يتمثل في إنتاج أجيال تحمل شهادات أكاديمية لكنها تفتقر إلى البيئة التعليمية المتكاملة التي تؤهلها للمنافسة والإسهام في إعادة بناء البلاد.

إن التعليم في السودان لم يكن يوماً مجرد خدمة حكومية، بل كان أحد أهم أدوات الحراك الاجتماعي وبناء الطبقة الوسطى وصناعة النخب الوطنية. ومن هنا فإن تحويله إلى سلعة في زمن الحرب يعني عملياً تعميق الفوارق الاجتماعية، وإعادة إنتاج التهميش، وحرمان شرائح واسعة من حقها في المشاركة في مستقبل البلاد.

كما أن استمرار هذا الواقع يهدد مرحلة ما بعد الحرب نفسها. فالسودان الذي سيحتاج إلى المعلمين والمهندسين والأطباء والصحفيين والقانونيين لإعادة بناء ما دمرته الحرب، لن يتمكن من تحقيق ذلك إذا أصبح التعليم امتيازاً لمن يملك المال بدلاً من أن يكون حقاً متاحاً للجميع.

إن مسؤولية حماية التعليم في السودان لا تقع على المؤسسات التعليمية وحدها، بل هي مسؤولية الدولة والمجتمع والمنظمات الوطنية والدولية. فالحروب مهما طالت ستنتهي، لكن آثار انهيار التعليم قد تمتد لعقود طويلة، وقد تكون أكثر خطورة من الدمار المادي نفسه.

في نهاية المطاف، لا يقاس نجاح المجتمعات في زمن الحروب بقدرتها على إدارة المعارك فحسب، بل بقدرتها على حماية حقوق مواطنيها الأساسية. وعندما يصبح التعليم سلعة في بلد أنهكته الحرب، فإن الخطر لا يكمن في ضياع عام دراسي أو تأجيل امتحان، بل في ضياع جيل كامل كان من المفترض أن يحمل عبء إعادة بناء الوطن.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى