مقالات وكتاب

مقام العودة ( 2 ) | عثمان عربي | [دعاء بين الانقاض ]

مقام العودة ( 2 ) | عثمان عربي | [دعاء بين الانقاض ]

من مقام العودة تبدأ الحكاية لا من عتبة الوصول
كنت على ظهر الباخرة الجودي وهي تمضي بنا والماء من حولك يمتد كصفحة زرقاء لم تكتب بعد كأن البحر ينتظر أن تملي عليه اعترافك الأول الهواء البارد يمر على وجهك كيد خفية تذكرك بأن الطريق إلى الله ليس مسافة تقاس بالأميال بل انكسار يتسع في القلب حتى يصير رؤية
في تلك اللحظة وأنت متجهٌ إلى الأراضي المقدسة لم تكن الرحلة انتقالا من ميناء سواكن إلى ميناء جدة بل عبورا من ضجيجك إلى صوتك العميق كنت تسمع في هدير المحرك خفقة سؤال كيف يعود الإنسان إلى ربه بعدما أثقلته الأرض وشق عليه الزمن
تتسلل إلى ذاكرتك صورة الخراب في الخرطوم المدينة التي كانت تلبس النيل كوشاح من طمأنينة صارت تتشح بالاتربة والوجع بيوت انطفأت فيها الأنفاس وحوائط حفظت صدى الرصاص بدل ضحكات الأطفال الحرب حين تلقي بتبعاتها لا تكتفي بكسر الحجر بل تمتد إلى الداخل إلى حيث يسكن المعنى
لكن كما أن للنهر موسمَ فيضان فللأرواح أيضا موسم نهوض
كنت ترى في مشاهد الخراب بذرة نماء فالمدينة التي تعرف كيف تبكي تعرف أيضًا كيف تدعو والدعاء حين يخرج من بين الأنقاض لا يكون همسا عابرا بل صعودا كثيفا كالبخور كأنه سلم غير مرئي يصل الأرض بالسماء
أدركت وأنت تشق الماء أن الدعاء ليس طلبا فحسب بل عودة ترتيب بينك وبين الله هو أن تعترف بأنك لست رب السفينة ولا سيد الموج وأن النجاة لا تأتي من قوة الذراع بل من انكسار القلب الدعاء طريق الوصول لا لأن الكلمات تملك معجزة في ذاتها بل لأن القلب حين يتجرد فيها يصبح موصولا
في الخرطوم بين الخراب سيقف الناس يوما يرفعون أكفهم كما ترفع المآذن أذانها سيقولون يا رب وهذه الـ“يا” وحدها جسر فاصلة بين اليأس والرجاء وبين الخراب والبداية
والوصل مع الله لا يتم إلا بالدعاء لأنه اعتراف بأننا لا نستطيع وحدنا أن ننهض من تحت الرماد. أن الحرب مهما امتدت لا تملك الكلمة الأخيرة فالكلمة الأخيرة تخرج من قلب عاد
من مقام العودة… يصبح الطريق إلى الله طريقا إلى أنفسنا وكلّما اقتربتَ من الشاطئ أدركتَ أن الأرض التي تقصدها ما كانت إلا رمزا وأن المقام الحقيقيّ هو أن يعود قلبك كما خلق خفيفا صافيا مرفوعا إلى السماء كمدينة نهضت بعد سقوط وكدعاء وجد طريقه أخيرا إلى الوصول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى