مقالات وكتاب

قطعة سكر – عثمان عربي

قطعة سكر

عثمان عربي

كنت أظنني أعرف الشاي
ذلك الشراب اليومي المألوف
الذي يسكب في الكوب كما تسكب العادات في النفوس
دون أن نفكر ودون أن نسأل
لكنني ذات مساء هناك حيث اغترب وادمن شرابه كما هي عادة اهل هذه البلاد في غرفة تطل على صمت كثير
تناولت الكوب دون أن أحركه
وشربت
فإذا به مر…
مرارة لها طعم الأرض اليابسة بعد الغياب
وخيبة الرسائل التي لم تصل
فكرت لحظتها أن الدنيا قد تكون مثل هذا الكوب
تبدو مرة فقط لأن أحدهم نسي أن يحركها
نظرت في قاع الكوب
فرأيت السكر ساكنا صامتا
لا يشكو ولا يبرر ولا يلوح بوجوده
هناك في القاع كان ينتظر بصبر يشبه أولئك الطيبين الذين عرفتهم
الذين لا يرفعون رؤوسهم ليثبتوا شيئًا
بل يذيبون طيبتهم في الآخرين
ثم يرحلون في صمت
كم من الناس في هذا العالم يشبهون تلك القطعة
يعرفون أن الحلاوة لا تفرض
وأن الأثر لا يحتاج ضجيجا
وأن أعظم المعروف هو ذاك الذي لا يقال
هؤلاء حين يأتون لا يقولون ها نحن
بل يفتحون النوافذ ويعيدون ترتيب الضوء في الغرف
ثم يختفون كأنهم لم يأتوا…
مع أن كل شيء قد تغير بعدهم
قطعة السكر في الشاي
مثل أولئك الطيبين الذين عبروا في حياتي
كانوا كرماء كأن الكرم عادة لا مهرب منها
ولم يكونوا في حاجة أن يقال عنهم إنهم طيبون
كانوا يعرفون كيف يحركون الحياة فيك
ثم يتركونك تواجه طعمك الجديد
بمفردك
وهكذا لا يقاس الناس بما يقولون
ولا بما يظهر على وجوههم
بل بما يتركون خلفهم…
حين يغيبون
ولذلك كلما شربت الشاي
تذكرت أن الخير قد يكون ساكنا في القاع
ينتظر فقط من يحركه

عثمان عربي ..جده

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى