مقالات وكتاب

من سرق كحل الثورات من عيون السودانيين

من سرق كحل الثورات من عيون السودانيين؟

محمود لعوتة

محلل سياسي صحافي سوداني ومسؤول تحرير في صحيفة الاقتصادية السعودية

 

منذ استقلال السودان يناير عام 1956 من  الحكم الاستعمار الإنجليزي ـ المصري الذي بدء عام 1899 يفتخر السوادنيون بانهم نحجوا في أشعال ثلاثة ثورات ضد الأنظمة العسكرية الدكتاتورية التي نظمها انقلاباتها عدد من ضابط الجيش السوداني في مراحل متخلفة من التأريخ في أعوام 17 نوفمبر 1958  و25 مايو 1969 ، و30 يونيو 1989 فقد خاض الشعب ثورة عارمة في 21 أكتوبر عاما 1964 ضد نظام الفريق إبراهيم عبود الذي قاد انقلاب في نوفمبر عام 1958 كما أسقط حكم نميري في ابريل عام 1985 كما قهر بطش حكم نظام البشير في 19 ديسمبر عام 2019، واستمر حكم عبود ثمانية أعوام عاش الشعب حكم دكتاتوري متسلط منع كل النشاطات السياسيات وعمل الأحزاب المدنية وحكم السودان تحت وطة حكم عنيف وصف بالصرامة والبطش. وبقى حكم النميري 16 عاما عاني منه الشعب من أزمات بداية أزمات اقتصادية متثملة في نقص في الخبز وشح في الوقود وانقطاع في الكهرباء.

كما جثم نظام البشير 30 عاما في صدر السودانيين ونتج عنه ظلم في الحكم وتعترض معظم السودانيين إلى المعتقلات في السجون، وشهد السودان في تلك الحقبة هجرت أغلبهم إلى دول مجاورة واخرى في الخليج ونشدوا الهجرة إلى دول أوروبية وحتى أمريكا.

ويتسائل الكثير من فئات الشعب السوداني والمتابعين والمهتمين بالشأن السياسي السوداني، عن فشل هذه الثورات عاتية الرياح وهزت أركان الأنظمة العسكرية بقوة، والتي حكمت السودان نحو 54 عاما خلال سنين عجاف صعاب على كل فرد سوادني.

وعلى الرغم من نجاح ثورة 21 أكتوبر إلا أنها لم تحقق وتنفذ أهدافها التي رفع المتظاهرون فكانت ثورة شعبية بحق شاركت فيها كل مدن السودان من الخرطوم العاصمة وسط السودان ومن ثم مدني في أقليم الجزيرة وبورتسودان الميناء الشرقي وعطبرة عاصمة الحديد والنار وشندي بلاد الجعلين والملك نمر إلى الفاشر ونيالا والأبيض في إقليمي كردفان ودار فور وحتى  دنقلا في الشمال ومدن :جوبا وملكال وواو ونمولي في أقصى حدود في جنوب السودان مع أوغندا.

واللافت في الأمر أن هذه الثورة من قوتها وجذوة نارها إلا أنها اهبطت بمطالبها من أول وهلة وذلك باختيار حكومة انتقالية برئيس وزراء ضعيف برئاسة سر الختم الخليفة الذي ينتمي والده إلى مذهب الختمية الذي يدعم الحزب الاتحاد الديمقراطي آنذاك، فوالده الخليفة الحسن كان سر تجار في مدينة الدويم التي تمثل عاصمة محافظة النيل الأبيض حاليا فهو على رأس مشيخة مذهب الختمية في ذلك الوقت،  إلا أن سر الختم كانت تربطة علاقة نسب ومصاهرة ببيت المهدي الذي كان يتواجد فيها زعماء كثر على رأسهم الصادق المهدمي والهادي والمهدي وآخرون من العائلة.

والغريب في الأمر هنا أن معظم الحكومات الانتقالية التي أعقبت ثورات السودان المختلفة لم تسجل نجاحا كاملا في تحقيق متطلبات الشعب وواجهت معوقات جمة أدت إلى صنع حلول لا ترضي طموحات معظم فئات الشعب السوداني.

وقد فشلت الثورات السودانية، خصوصًا ثورة ديسمبر 2019، بسبب الانقسام الداخلي في القوى المدنية، وعدم تفعيل مؤسسات المرحلة الانتقالية مثل المجلس التشريعي، وتسليم السلطة المتبقي للعسكر، والمناكفات بين الأطراف العسكرية، مما مهد للانقلابات العسكرية لاحقاً، آخرها الحرب الأهلية التي بدأت في عام 2023.

ومن أسباب فشل الثورات السودانية:

الانقسام الداخلي وضعف التنسيق:انقسمت القوى المدنية الفاعلة مثل قوى الحرية والتغيير وتجمّع المهنيين، مما أضعف الموقف المدني أمام النخب العسكرية، كما أن عدم الاتفاق حول توزيع مقاعد البرلمان أضعف موقفهم بعد توقيع اتفاق سلام مع الحركات المسلحة، حيث خسروا مقاعدهم لصالح الجبهة الثورية.

تأجيل إنشاء المجلس التشريعي الانتقالي: غياب المجلس التشريعي الانتقالي، والذي كان من أهم أولويات الثورة، أدى إلى تعطيل سنّ القوانين اللازمة وسمح بتمديد المرحلة الانتقالية وقيام العسكريين بتعليق العمل بالوثيقة الدستورية.

الهيمنة العسكرية وتدخلها: تبيّن أن العسكريين احتفظوا بصلاحيات كبيرة، مما مكنهم من فرض هياكلهم واستخدام صلاحياتهم الدستورية لإعلان حالة الطوارئ وتعطيل بنود الوثيقة الدستورية، بما في ذلك الإبقاء على رئيس مجلس السيادة لفترات أطول مما كان مقرراً.

الاستفادة من الفرص: استفاد العسكريون من تجميد الوضع القائم وعدم قدرة المكون المدني على تفعيل مؤسسات المرحلة الانتقالية، مما سمح لهم بتعزيز قبضتهم على السلطة وتأخير التغيير المدني المنشود.

الحرب الأهلية:في النهاية، أدت هذه العوامل إلى اندلاع حرب أهلية في عام 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، مما قضى على أي فرصة لتحقيق أهداف الثورة السابقة.

وتشمل الأهداف الرئيسية للثورات السودانية الإطاحة بالحكم العسكري الاستبدادي وإقامة دولة مدنية ديمقراطية، وتحقيق العدالة والسلام، وإنهاء الحرب وجمع السلاح، إضافة إلى ضمان استقرار البلاد. تسعى هذه الثورات إلى تحقيق تحول شامل في المجتمع السوداني، بما يضمن حقوق المواطنين ويؤسس لحكم رشيد وعادل.

أهداف الثورات السودانية عبر التاريخ:

لإطاحة بالأنظمة العسكرية: نجحت الثورات السودانية السابقة، مثل ثورة 1964 و1985، 2019 في الإطاحة بأنظمة عسكرية مستبدة قادها ضباط مثل إبراهيم عبود وجعفر النميري ونظام البشير.

تلبية مطالب الشعب: تهدف الثورات إلى تحقيق مطالب الشعب السوداني والمتظاهرين التي تنادي بتحقيق العدالة والحرية والسلام.

تحقيق الحكم المدني الديمقراطي: تسعى القوى الثورية لإقامة دولة مدنية ديمقراطية بعيدة عن حكم العسكر، حيث يُعبر الشعب عن إرادته في اختيار حكامه.

تحقيق السلام وجمع السلاح: تعتبر إنهاء الحروب الأهلية القائمة وجمع السلاح من الأهداف الأساسية لتحقيق التحول الديمقراطي وبناء حياة سياسية رشيدة في البلاد.

تحقيق العدالة والقصاص: تسعى الثورات إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت في الأنظمة السابقة، وضمان حقوق الضحايا والمصابين.

بناء دولة مستقرة ومزدهرة: تهدف الثورات إلى بناء نظام يحقق الرفاهية للشعب السوداني ويضمن استقرار البلاد، بعيدًا عن الفوضى والعنف.

التحديات أمام تحقيق الأهداف:

ـ الثورات المضادة: تواجه الثورات السودانية تحديات من قوى مناهضة تسعى للإجهاض، مثل محاولات شق صفوف القوى الثورية أو إثارة الانقسامات داخل المجتمع.

ـ استمرار العنف المسلح: استمرار الصراع العسكري، كما هو الحال في الحرب الأهلية القائمة حاليًا بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، يعطل أي مسار للتحول الديمقراطي ويهدد استقرار البلاد.

ـ الحاجة إلى التعبئة الشعبية المستمرة: تتطلب الثورات استمرار التعبئة الشعبية والعصيان المدني لضمان تحقيق أهدافها وإجبار القوى العسكرية على التراجع.

وتأ سيسا على ما سبق من استدعاء سريع لأحداث ثورات متفرقة، ولحظات تاريخية مفصلية لحراكات شعبية مميزة، يمكن التأكيد على أن كل الثورات السودانية، قد أثرت في اتجاهات تخليق وبناء القومية السودانية والوحدة الوطنية. حيث كانت شعارات هذه الثورات ومبادئها الأساسية تصب في مجرى تلك العملية.

مع ذلك لم تمض أيا منها صوب أهدافها دون أن تواجه العراقيل التي يضعها أصحاب الامتيازات التاريخية والمستفيدين من وضعية السودان المختلة، والقائمة منذ خروج الاستعمار في عام 1956، والذين لم ولن يدخروا جهدا إلا وبذلوه تجاه تقويض أي اتجاه ساعي لبناء قومية سودانية.

وتأسيس سودان يسع جميع مكوناته الاجتماعية بتمايزتهم تلك. وتحقيق دولة المؤسسات والقانون القائمة على مواطنة تتأسس على الحقوق والواجبات.

ومن هنا يمكن القول إنه رغم كل الحراك الشعبي الذي جعل الشعوب السودانيين ينظمون ثورات من كل فترة وأخرى، إلإ أن هنالك مزالق جعلت من ان تسرق كل أهداف هذه الثورات من عيون السودانيين وبكل خسلة وجبن وفوضى عارمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى