عمق الكلام | عوض عمر الشائب | مدينة حائل تحتفي بالشاعر بشرى البطانه

صوت الشارع
مقالات وكتاب
عمق الكلام | عوض عمر الشائب | مدينة حائل تحتفي بالشاعر بشرى البطانه
في ليلةٍ استثنائيةٍ فاح فيها عبق القوافي السودانية الأصيلة وامتزجت فيها نسائم جبلَي أجا وسلمى بهواء النيل والبطانة، تشرّفت مدينة حائل بالمملكة العربية السعودية مساء أمس باستضافة الشاعر السوداني الكبير بشرى البطانة وجاءت هذه الزيارة الميمونة لتكون جسراً للتواصل والمحبه
لا يُعد الشاعر بشرى البطانة مجرد عابرٍ في خارطة الأدب السوداني بل هو أحد أبرز الأصوات الشعرية التي استطاعت أن تحفر اسمها بمدادٍ من ذهب في ذاكرة الوجدان الشعبي إذ يمتلك بشرى تجربةً شعريةً ثريةً ومتعددة المشارب جعلت منه مرآةً صادقةً للمجتمع فابدع في نظم “المربعات” و”الرباعيات” و”المسادير” التي تُعد ديوان العرب في سهول البطانة ولم تقف شاعريته عند حدود التراث فحسب بل حلّقت في فضاءات الغزل العفيف والفخر والحماسة التي تستنهض الهمم إلى جانب براعته في الشعر الاجتماعي والنقد الفكاهي الساخر الذي يعالج قضايا الناس بابتسامةٍ ذكية فضلاً عن إسهاماته البارزة في إثراء المكتبة الغنائية السودانية بروائع الأغنيات الخالدة
انطلقت فعاليات الأمسية في صالون الأستاذ أحمد الفكي وسط حضورٍ نوعي من المثقفين وأبناء الجالية حيث استُهلت بكلمةٍ ترحيبيةٍ ضافية ألقاها البروف السر أحمد سليمان وقد عبّر فيها بلغةٍ رفيعةٍ تليق بمقام المحتفى به عن بالغ الاعتزاز بقدوم الشاعر بشرى البطانة إلى حائل مؤكداً أن مثل هذه المناسبات الثقافية لا تقتصر على الاحتفاء بالأدب فحسب بل تُمثّل ملاذاً روحياً يجمع أبناء السودان في المهجر على مائدة المحبة والإبداع ويُبقي جذوة الانتماء للوطن متقدةً في القلوب
من جانبه وقف الشاعر بشرى البطانة أمام محبيه معرباً بصدقٍ وتواضعٍ جمّ عن عميق شكره وامتنانه لهذه الحفاوة البالغة وكرم الضيافة غير المستغرب مثمّناً سرعة الترتيب وحُسن التنظيم لهذه الاحتفائية الدافئة وما إن اعتلى منبر الإلقاء حتى شنّف آذان الحضور بباقةٍ منتقاة من قصائده المميزة التي انهمرت كالمطر على القلوب العطشى فتفاعل معها الجمهور تفاعلاً كبيراً، وترددت أصداء الاستحسان والتصفيق في جنبات الصالون
❤️ روابط المحبه بين السودان والسعودية
ولم تتوقف مسيرة الفرح عند حدود الصالون الثقافي بل امتدت فصول الاحتفاء لتنتقل الحشود إلى “السوق الجنوبي” بمدينة حائل حيث كان في انتظار الشاعر جمعٌ غفير ومهيب من أبناء قبيلة البطاحين المقيمين بالمنطقة وهناك تجلّت أسمى معاني الأخوة السودانية السعودية إذ كان في مقدمة المستقبلين المواطن السعودي الشهم محب السودان وأهله “أبو طلال”.
وقد ألقى “أبو طلال” كلمةً مؤثرةً خرجت من القلب لتستقر في القلوب تحدث فيها عن السودان حديث الخبير العارف ببواطن العادات والتقاليد السودانية السمحة مستعرضاً شريط ذكرياته خلال زياراته للسودان سارداً مواقف نبيلة وشواهد حية عايشها بنفسه تعكس معدن الإنسان السوداني الأصيل وفي ذات السياق المفعم بالمودة تحدث المواطن السعودي “أبو محمد”الذي أسهب في تعداد خصال السودانيين ونبل أخلاقهم وأمانتهم من واقع معرفته الوثيقة ومعاشرته الطويلة لهم ليرسم المتحدثان لوحةً زاهيةً من التلاحم الشعبي والوفاء المتبادل بين الشعبين الشقيقين
وتحت سماء حائل الماطرة وفي أجواءٍ سادها الإخاء والمحبة عاد الشاعر بشرى البطانة لينثر درر حروفه من جديد مقدماً أحدث قصائده التي لامست الجرح الوطني المفتوح وبصوتٍ يملؤه الشجن والعزة صوّر بشرى معاناة الشعب السوداني الصابر بين ويلات الحرب وقسوة النزوح وبكى بدمع القصيد مأساة الوطن الجريح قبل أن يصدح بشعر الفخر والحماسة مشيداً ببسالة القوات المسلحة السودانية وصمودها الأسطوري في الذود عن حياض الوطن وكرامته
♥️ وفاء أهل حلفا في العز كافي
وفي محطةٍ ثالثةٍ من محطات الوفاء التي لم تهدأ طوال الليلة أبت رابطة أبناء حلفا الجديدة بمنطقة حائل إلا أن تضع بصمتها الخاصة في سجل التكريم بقيادة الشاب الهمام النذير الخالدي وكوكبة من أبناء الرابطة أُقيمت احتفالية تكريمية أنيقة على شرف الأستاذ بشرى البطانة في رحاب “العز كافيه”وفي جوٍّ أسريٍّ مفعمٍ بالأنس والمحبة تبادل الحضور الأحاديث الودية والذكريات حيث تناول الشاعر أطراف الحديث مع أبناء حلفا الجديدة مسترجعاً ذكريات تلك الأرض الطيبة وأهلها الكرام وسط حفاوةٍ بالغةٍ عكست تلاحم أبناء الوطن الواحد بمختلف سحناتهم ومناطقهم
لقد تجلّى في كل ما ألقاه الشاعر بشرى البطانة خلال هذه المحطات الثلاث ذلك الحس الإنساني الرفيع والتصوير الشعري البديع الذي يلتقط أدق التفاصيل وهي خصائص فنية أصيلة عُرف بها بشرى البطانة في أعماله التي حظيت بانتشارٍ واسع وصدىً عميق لدى جمهوره داخل السودان وخارجه ولا سيما رائعتَيه الشهيرتَين (أم شوائل) و(وعيد الميلاد) وغيرهما من الدرر الشعرية والغنائية.
حقاً لقد كانت هذه الليلة الحائلية أكثر من مجرد احتفاءٍ عابرٍ بشاعرٍ مبدع بل كانت مساحةً وجدانيةً لاستحضار الوطن بكل تفاصيله وبلسماً لتضميد شيءٍ من جراح الغربة والبعد عن الديار ومنبراً للتعبير عن روح شعبٍ عظيمٍ ما زال متمسكاً بالأمل والحياة والعطاء رغم قسوة المحن ومرارة الظروف
😍 عمق اخر…
تبقى كلمات الشكر قاصرةً أمام كل من أسهم في صناعة هذا الكرنفال الثقافي فتحية تقديرٍ خاصة للأخ محمد عبد اللطيف الصديق المقرّب للأستاذ بشرى على جهوده المقدرة والشكرٌ يمتد بحجم السماء للشاعر المبدع بشرى البطانة الذي منح حائل وأهلها ليلةً للتاريخ عنوانها الشعر ومدادها الوجدان وختامها الوفاء الأبدي للسودان



