دكينيات | دكتور عصام دكين | النظرية السياسية الإسلامية في حقوق الإنسان الشرعية | حقوق الإنسان في الفكر السياسي الغربي (5)

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكينيات | دكتور عصام دكين | النظرية السياسية الإسلامية في حقوق الإنسان الشرعية | حقوق الإنسان في الفكر السياسي الغربي (5)
دكينيات (1113)
النظرية السياسية الإسلامية في حقوق الإنسان الشرعية.
حقوق الإنسان في الفكر السياسي الغربي (5)
بقلم: د. عصام دكين2026/11/1.
أولاً: حقوق الإنسان الطبيعية وعلاقتها بالعلمانية السياسية
يلاحظ ارتباط تطور نظرية حقوق الإنسان الطبيعية بالتحولات الفكرية والسياسية التي شهدتها أوروبا، ولا سيما منذ القرن السابع عشر، حين بدأت تتبلور العلمانية السياسية بوصفها أحد الأسس التي أعادت تنظيم العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع.
فمع صعود العقلانية الحديثة، أصبح العقل والطبيعة مرجعين أساسيين في تفسير الحقوق والواجبات وتنظيم العلاقات الاجتماعية والسياسية، وتراجعت المرجعية الدينية في جانب مهم من التنظير السياسي الغربي. ونتيجة لذلك، اتجه عدد من المفكرين إلى تأسيس الحقوق الإنسانية على القانون الطبيعي بدلاً من القانون الإلهي، باعتبار أن العقل الإنساني قادر على اكتشاف المبادئ العامة التي ينبغي أن تحكم المجتمع والدولة.
غير أن فكرة القانون الطبيعي لم تكن، في نشأتها التاريخية، منفصلة بالضرورة عن التصور الديني أو الإلهي. فقد ارتبطت في الفلسفة القديمة بفكرة وجود نظام كوني أعلى من التشريعات البشرية، ومن أبرز من تناولوا هذا التصور الفيلسوف والخطيب الروماني شيشرون، الذي رأى أن هناك قانوناً طبيعياً عاماً يستمد قوته من العقل والعدالة، ويعلو على القوانين التي يضعها البشر، وأن قوانين الدولة ينبغي ألا تتعارض مع هذا القانون الأعلى.
لكن التحولات الفكرية الأوروبية اللاحقة أعادت تفسير القانون الطبيعي في ضوء العقلانية الحديثة، وأصبح بالإمكان تأسيس الحقوق على الطبيعة والعقل دون اشتراط الإقرار بمرجعية دينية مباشرة. وهكذا أخذت العلاقة بين الدين والدولة تتغير، وصولاً إلى الفصل المؤسسي بينهما في عدد من التجارب السياسية الغربية.
ومن المهم هنا التمييز بين تطور نظرية القانون الطبيعي تاريخياً وبين العلمانية السياسية؛ فليستا مفهوماً واحداً، وإن تداخلتا في بعض مراحل تطور الفكر السياسي الأوروبي.
ثانياً: من الحقوق الطبيعية إلى حقوق الإنسان الدستورية والدولية
برزت فكرة حقوق الفرد في مواجهة سلطة الدولة بصورة واضحة في التحولات السياسية الكبرى التي شهدها العالم الغربي، خصوصاً الثورة الأمريكية عام 1776م والثورة الفرنسية عام 1789م، حيث أصبحت الحرية الفردية والمساواة أمام القانون والحقوق السياسية من المطالب الأساسية في بناء النظام الدستوري الحديث.
وقد اكتسبت هذه الفكرة بعداً دولياً واسعاً عقب الحرب العالمية الثانية، مع تأسيس منظمة الأمم المتحدة عام 1945م، ثم صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م، وما تبعه من اتفاقيات ومواثيق دولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966م.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت حماية حقوق الإنسان إحدى الغايات المعلنة للنظام القانوني والسياسي الدولي، وأصبح احترام الكرامة الإنسانية والحرية والمساواة من المبادئ التي يفترض أن تلتزم بها الدول في تشريعاتها وممارساتها.
وقد انعكس هذا التطور على الدساتير الوطنية، التي أخذت تتضمن نصوصاً تتعلق بالحقوق والحريات الأساسية، مثل حرية الاعتقاد والتعبير والتنظيم والمشاركة السياسية، والحق في المساواة والحماية القانونية.
وترتب على ذلك ظهور عدد من النظريات السياسية والدستورية الرامية إلى حماية الحقوق الفردية، ومن أبرزها:
نظرية الفصل بين السلطات: التي تستهدف الحد من تركيز السلطة في يد جهة واحدة، من خلال توزيع الاختصاصات بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإيجاد آليات للرقابة والتوازن بينها.
النظرية الديمقراطية: التي تربط شرعية الحكم بإرادة الشعب، وتؤكد حق المواطنين في المشاركة السياسية واختيار ممثليهم ومحاسبة السلطة.
مبدأ سيادة القانون: الذي يقتضي خضوع الحكام والمحكومين للقانون، وعدم جواز ممارسة السلطة بصورة اعتباطية أو خارج الضوابط الدستورية.
ومع ذلك، فإن هذه النظريات والمواثيق لم تتطور في فراغ، بل تشكلت داخل سياقات تاريخية وثقافية واجتماعية وسياسية محددة، الأمر الذي يجعل من الضروري التمييز بين عالمية المبادئ الإنسانية وبين خصوصية التجارب التي صاغت بعض تطبيقاتها القانونية والسياسية.
ثالثاً: نقد التنظير الغربي للحقوق الطبيعية
على الرغم من الأهمية التاريخية التي اكتسبتها نظرية الحقوق الطبيعية في تطور الفكر الدستوري الحديث، فإن تأسيس حقوق الإنسان على الطبيعة والعقل وحدهما يثير عدداً من الإشكالات الفلسفية والمنهجية.
1. إشكالية ثبات الحقوق الطبيعية
إن جعل الطبيعة أساساً للحقوق الإنسانية قد يفتح الباب أمام اتجاهات فكرية مختلفة في تفسير الطبيعة البشرية، بل قد يؤدي إلى التشكيك في وجود حقوق ثابتة ومشتركة بين جميع البشر.
فبعض التفسيرات الاجتماعية والسياسية المتأثرة بنظريات الصراع والتنافس والبقاء للأصلح قد استخدمت مفاهيم الطبيعة والاختلاف البشري لتبرير التفاوت والهيمنة. وقد استُخدمت بعض القراءات الاجتماعية المتأثرة بالداروينية، بصورة تتجاوز مجالها البيولوجي، لتفسير العلاقات بين الجماعات البشرية على أساس التنافس والإقصاء.
ومن هنا تظهر الإشكالية: إذا كانت الطبيعة البشرية هي المرجع النهائي لتحديد الحقوق، فمن يحدد طبيعة الإنسان؟ وما المعايير التي تمنع توظيف التفاوتات الطبيعية أو الاجتماعية لتبرير انتقاص حقوق بعض البشر؟
إن الحق الإنساني لا ينبغي أن يكون رهيناً لتفسيرات متغيرة للطبيعة البشرية، بل يجب أن يستند إلى مبدأ ثابت يحفظ كرامة الإنسان وحقه في الوجود والمساواة والحماية.
2. إشكالية إثبات الحقوق الطبيعية بالعقل المجرد
تواجه نظرية الحقوق الطبيعية سؤالاً فلسفياً مهماً يتعلق بكيفية إثبات وجود حقوق أزلية سابقة على المجتمع والدولة.
فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، تتشكل مفاهيمه عن الحرية والعدالة والواجب والحق في سياق علاقاته الاجتماعية والثقافية والسياسية. ولذلك يصعب تصور الحقوق الإنسانية بمعزل تام عن الوجود الاجتماعي والمؤسسات التي تحميها وتنظم ممارستها.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن المجتمع هو الذي يمنح الإنسان كرامته أو أن الحقوق لا وجود لها إلا بإقرار الدولة، وإنما يعني ضرورة التمييز بين القيمة الأخلاقية للحق وبين الاعتراف القانوني به وضمان ممارسته عملياً.
3. التناقض بين أزلية الحقوق وتطور التشريع
يظهر إشكال آخر في الجمع بين القول بوجود حقوق طبيعية أزلية وثابتة، وبين القول بأن التشريع والقانون نتاج للتطور الاجتماعي والتاريخي.
فإذا كانت الحقوق الطبيعية ثابتة وعامة، فإن ذلك يقتضي وجود معايير موضوعية تتجاوز إرادة الجماعة السياسية وتقلبات السلطة. أما إذا كان القانون مجرد انعكاس لتطور المجتمع وموازين القوى داخله، فقد تصبح الحقوق خاضعة للظروف السياسية والاجتماعية المتغيرة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن ضمان حقوق ثابتة للإنسان إذا كانت المرجعية النهائية لتحديدها متغيرة بتغير المجتمع والسلطة؟
إن هذه الإشكالية تكشف الحاجة إلى مرجعية أخلاقية وقانونية تتجاوز المصالح الآنية، وتضع قيوداً على سلطة الدولة والجماعة معاً.
4. الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي
من أبرز الانتقادات التي يمكن توجيهها إلى التجربة الغربية في مجال حقوق الإنسان وجود فجوة بين المبادئ المعلنة والممارسات السياسية الفعلية.
فقد شهد التاريخ الغربي أشكالاً متعددة من التمييز العنصري والاستعمار والاستغلال، على الرغم من وجود خطابات دستورية وسياسية تؤكد الحرية والمساواة وحقوق الإنسان.
كما أن بعض النصوص الدستورية جاءت بصياغات عامة تحتاج إلى تشريعات تفصيلية وآليات قضائية ومؤسسية تضمن تنفيذها، وإلا ظلت الحقوق المعلنة عرضة للتأويل والتقييد.
ومع ذلك، ينبغي الإقرار بأن كثيراً من الدساتير الغربية والمواثيق الدولية طورت ضمانات قانونية وقضائية مهمة، وأن النقد هنا لا ينصب على مبدأ الحقوق والحريات ذاته، بل على التناقض بين إعلان المبادئ وممارسة السلطة.
5. إشكالية الحماية القانونية من تعسف السلطة
إن الاعتراف بالحقوق في الوثائق الدستورية لا يكفي وحده لحمايتها، ما لم تصاحبه ضمانات مؤسسية وقضائية فعالة.
فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948م والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966م تضمنا مبادئ وحقوقاً مهمة، كما أن العهد الدولي نص على التزامات قانونية وآليات دولية لمتابعة تنفيذها.
لكن الإشكالية تكمن في تفاوت قدرة المؤسسات الدولية والوطنية على إنفاذ هذه الالتزامات، وفي خضوع تطبيقها أحياناً لحسابات القوة والمصلحة السياسية.
كما أن القوانين الوطنية قد تتحول، في ظل غياب الرقابة القضائية المستقلة، إلى أدوات لتقييد الحقوق بدلاً من حمايتها، خصوصاً عندما تتوسع السلطات في استخدام قوانين الطوارئ والاعتقال الاستثنائي والمحاكم غير العادية.
ومن هنا فإن سيادة القانون لا تتحقق بمجرد وجود قانون مكتوب، وإنما تتطلب عدالة القانون، واستقلال القضاء، والمساواة أمامه، وخضوع السلطة لرقابة دستورية فعالة.
6. ازدواجية المعايير في التطبيق الدولي
إن التناقض بين المبادئ المعلنة والممارسة الدولية يظهر بصورة واضحة عندما تختلف مواقف الدول من انتهاكات حقوق الإنسان بحسب مصالحها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.
وقد ساهمت هذه الازدواجية في إضعاف الثقة في بعض المؤسسات والآليات الدولية، وأثارت تساؤلات حول مدى استقلال تطبيق معايير حقوق الإنسان عن موازين القوى العالمية.
وبذلك فإن قيمة المواثيق لا تقاس فقط بما تتضمنه من نصوص ومبادئ، وإنما بمدى قدرتها على توفير الحماية الفعلية لجميع البشر دون تمييز أو انتقائية.
رابعاً: من نقد الفكر السياسي إلى سؤال بناء الدولة السودانية
كيف نبني السودان ليسع الجميع؟
إن النقاش الفلسفي حول المرجعية التي تستند إليها حقوق الإنسان لا ينبغي أن يظل حبيس التنظير الأكاديمي، بل يجب أن يقودنا إلى سؤال الواقع السياسي والاجتماعي: كيف يمكن بناء دولة سودانية تضمن الكرامة الإنسانية والمواطنة المتساوية والعدالة لجميع السودانيين؟
منذ استقلال السودان في يناير 1956م، ظلت كثير من البنى الإدارية والاقتصادية والسياسية الموروثة من الحقبة الاستعمارية قائمة، ولم تنجح الحكومات الوطنية المتعاقبة في إحداث تحول بنيوي شامل يعيد توزيع السلطة والثروة والخدمات بصورة عادلة بين مختلف أقاليم البلاد.
لقد ورث السودان دولة ذات إدارة مركزية شديدة التركيز، واقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير المواد الأولية والموارد الطبيعية، ومؤسسات إدارية وتعليمية لم تنجح في تمثيل التنوع الاجتماعي والثقافي والجغرافي للبلاد تمثيلاً متوازناً.
ومع تعاقب الحكومات، استمرت مظاهر اختلال التنمية وتفاوت الفرص، وأصبحت العاصمة ومراكز النفوذ السياسي والاقتصادي تستحوذ على نصيب كبير من الخدمات والاستثمارات والامتيازات، بينما عانت مناطق واسعة من البلاد من ضعف البنية التحتية وغياب الخدمات الأساسية.
لقد أنتج هذا الواقع علاقة غير متوازنة بين المركز والأطراف؛ فالموارد الزراعية والحيوانية والمعدنية وغيرها من ثروات السودان تتوزع جغرافياً على أقاليم متعددة، لكن العوائد والفرص الاقتصادية لم تتوزع دائماً بصورة عادلة بين مناطق الإنتاج ومراكز اتخاذ القرار.
فقطن الجزيرة، والصمغ العربي في كردفان ودارفور، والثروة الحيوانية في الأقاليم المختلفة، والنفط والذهب وغيرها من الموارد، تمثل ثروات وطنية ينبغي أن تسهم في تنمية جميع مناطق السودان، لا أن تتحول إلى مصدر للامتيازات المحدودة أو وسيلة لإعادة إنتاج التفاوت التاريخي.
وهنا يجب أن نؤكد أن المشكلة السودانية لا يمكن اختزالها في خلافات إثنية أو دينية أو قبلية؛ فهذه الانتماءات جزء من التنوع الطبيعي للمجتمع السوداني، لكن الأزمة الأعمق تتعلق ببنية الدولة واختلال توزيع السلطة والثروة والفرص.
إن الصراع حول المركز والهامش ليس مجرد وصف جغرافي، بل هو تعبير عن اختلال تاريخي في توزيع النفوذ والموارد والخدمات، وهو اختلال أسهم في إنتاج التهميش والشعور بالغبن وانعدام الثقة بين مكونات المجتمع والدولة.
خامساً: حرب أبريل 2023م وأزمة الدولة السودانية
لا يمكن فهم الحرب التي اندلعت في أبريل 2023م بمعزل عن أزمة الدولة السودانية وتراكمات الصراع على السلطة والثروة وغياب المؤسسات الوطنية القادرة على إدارة الاختلاف سلمياً.
ومع أن للحرب أسباباً مباشرة تتصل بالصراع العسكري والسياسي بين القوى المسلحة ومراكز النفوذ، فإن جذورها الأوسع ترتبط بأزمة بناء الدولة، وضعف المؤسسات المدنية، واختلال العلاقة بين السلطة والمجتمع، واستمرار عسكرة الحياة السياسية.
ومن الخطأ اختزال الحرب في تفسير واحد، أو اعتبارها مجرد صراع إثني أو ديني؛ فالأزمة السودانية متعددة الأبعاد، وتتداخل فيها عوامل سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وتاريخية.
إن إنهاء الحرب يتطلب أكثر من وقف إطلاق النار؛ فهو يحتاج إلى مشروع وطني يعيد تأسيس الدولة على قواعد المواطنة والعدالة والمحاسبة، ويمنع إعادة إنتاج أسباب الحرب في المستقبل.
سادساً: مرتكزات بناء الدولة السودانية الجديدة
إن بناء السودان الذي يسع الجميع يتطلب مشروعاً وطنياً يتجاوز المعالجات الجزئية، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد، ويمكن تحديد أبرز مرتكزاته في الآتي:
1. إعادة بناء الدولة على أساس المواطنة المتساوية
ينبغي أن تكون المواطنة أساس الحقوق والواجبات، بحيث لا تتوقف قيمة المواطن أو حقوقه على دينه أو قبيلته أو إقليمه أو لغته أو انتمائه السياسي.
فالدولة لجميع مواطنيها، ولا يجوز أن تتحول إلى ملكية خاصة لجماعة أو حزب أو نخبة سياسية.
2. تفكيك مركزية السلطة وإعادة توزيعها
لا بد من الانتقال من الدولة شديدة المركزية إلى نظام حكم يوزع السلطات والاختصاصات والموارد بصورة عادلة، ويمنح الأقاليم والمجتمعات المحلية قدرة حقيقية على إدارة شؤونها.
فاللامركزية ليست مجرد تقسيم إداري، بل هي إعادة تنظيم للعلاقة بين المواطن والدولة، وضمان لمشاركة المجتمعات المحلية في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلها.
3. بناء اقتصاد إنتاجي بدلاً من الاقتصاد الريعي
لا يمكن بناء دولة مستقرة اعتماداً على توزيع عوائد الموارد وحدها، بل يجب تأسيس اقتصاد منتج يقوم على الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية والتعدين المنظم والخدمات والاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا.
كما يجب أن ترتبط عوائد الموارد الطبيعية بالتنمية المحلية والوطنية، وأن تخضع لإدارة شفافة ورقابة عامة تمنع الاحتكار والفساد.
4. إعادة توزيع الخدمات والفرص التنموية
لا بد من نقل التنمية إلى الريف والأقاليم، وتوفير المدارس والمستشفيات والطرق والمياه والكهرباء والاتصالات بصورة متوازنة.
فليس من المقبول أن تتركز الخدمات وفرص العمل والاستثمار في العاصمة، بينما تظل مناطق الإنتاج والثروة محرومة من مقومات الحياة الأساسية.
إن العدالة التنموية تعني أن يحصل المواطن على فرص متكافئة في التعليم والصحة والعمل والحياة الكريمة، أينما كان موقعه الجغرافي.
5. بناء دولة مدنية ديمقراطية بخصوصية سودانية
إن السودان، بتعدده الديني والثقافي واللغوي، يحتاج إلى نظام دستوري يضمن حرية الاعتقاد والعبادة، ويحمي حقوق جميع المواطنين دون تمييز.
ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى علمانية الدولة في السياق السوداني ينبغي ألا تُفهم باعتبارها عداءً للدين أو إقصاءً له من المجتمع، وإنما باعتبارها تصوراً لتنظيم العلاقة بين المؤسسات الدينية والسياسية، بما يمنع احتكار الدولة باسم دين أو مذهب أو جماعة.
فالدين مكون أصيل في حياة قطاعات واسعة من المجتمع السوداني، وله مكانته الروحية والأخلاقية والاجتماعية، لكن إدارة الدولة الحديثة ينبغي أن تقوم على عقد دستوري يضمن المساواة القانونية بين جميع المواطنين.
وعندما تتحول مرجعية دينية محددة إلى أداة لفرض التمييز في الحقوق والواجبات، فإن ذلك يهدد مبدأ المواطنة المتساوية، ويجعل بعض المواطنين يشعرون بأنهم أقل انتماءً إلى الدولة من غيرهم.
6. بناء هوية سودانية جامعة
يحتاج السودان إلى تجاوز الانغلاق القبلي والجهوي دون إلغاء الخصوصيات الثقافية والإثنية والدينية.
فالهوية السودانية ليست هوية أحادية، وإنما هي حصيلة تفاعل تاريخي بين مكونات متعددة، ولا يمكن بناء دولة مستقرة دون الاعتراف بهذا التنوع واحترامه.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم الهوية السودانوية بوصفه إطاراً جامعاً يسمح بالتعدد والتنوع، ويجعل الانتماء الوطني المشترك أعلى من العصبيات الضيقة، دون أن يتحول إلى وسيلة لطمس الهويات المحلية.
7. استقلال القضاء وسيادة القانون
لا يمكن حماية حقوق الإنسان دون قضاء مستقل ومؤسسات رقابية فاعلة، ودستور يضمن عدم تجاوز السلطات لاختصاصاتها.
كما ينبغي إخضاع المؤسسات العسكرية والأمنية للسلطة الدستورية المدنية، وإنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة، وإقامة مؤسسات وطنية مهنية تحمي البلاد والمواطنين.
8. تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية
إن بناء المستقبل لا يعني تجاهل الماضي، بل يتطلب الاعتراف بالانتهاكات التي وقعت، وجبر الضرر، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، وإنصاف الضحايا، ومعالجة جذور الصراعات.
ولا يمكن تحقيق سلام مستدام دون معالجة المظالم التاريخية، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
سابعاً: نحو علمانية سودانية – Secularism Made in Sudan
إن الدعوة إلى علمانية سودانية لا تعني استيراد نموذج أوروبي جاهز، ولا تعني نسخ التجربة الغربية في فصل الدين عن المجتمع أو إقصائه من المجال العام.
بل المقصود هو تطوير صيغة سودانية لتنظيم العلاقة بين الدين والدولة، تنطلق من واقع المجتمع السوداني وتنوعه، وتستفيد من التجارب الإنسانية دون أن تستنسخها.
إن الإسلام، باعتباره مرجعية دينية وأخلاقية واسعة لدى قطاعات كبيرة من السودانيين، لا ينبغي اختزاله في اجتهاد سياسي أو تجربة حزبية أو نظام حكم معين. فالإسلام أوسع من أي منتج بشري، والاجتهادات السياسية التي تنتسب إليه تظل اجتهادات بشرية قابلة للنقاش والتقويم والمراجعة.
وفي المقابل، فإن العلمانية ليست بالضرورة موقفاً عدائياً من الدين، بل يمكن النظر إليها باعتبارها إطاراً دستورياً لتنظيم التعدد وضمان استقلال مؤسسات الدولة عن الاحتكار الديني والسياسي.
ومن هنا يمكن أن يلتقي الإسلاميون والعلمانيون واليساريون والقوميون وسائر التيارات السياسية والاجتماعية حول مشروع وطني مشترك، يقوم على المبادئ التالية:
المواطنة المتساوية دون تمييز.
حرية الاعتقاد والعبادة والتعبير.
عدم احتكار الدولة باسم الدين أو الأيديولوجيا.
استقلال المؤسسات الدستورية والقضائية.
التداول السلمي للسلطة.
التوزيع العادل للثروة والفرص.
احترام التنوع الثقافي واللغوي والديني.
حماية الحقوق والحريات الأساسية لجميع المواطنين.
وهذه المبادئ لا تستوجب اتفاق السودانيين على فلسفة واحدة للحياة أو مرجعية فكرية واحدة، وإنما تستوجب اتفاقهم على قواعد مشتركة لإدارة الدولة والتعايش السلمي.
ولذلك، يمكن أن نسمي هذا التصور «العلمانية السودانية» (Secularism Made in Sudan)، أي صيغة وطنية نابعة من خصوصية السودان، لا تقوم على معاداة الدين، ولا تسمح في الوقت نفسه بتوظيفه لاحتكار السلطة أو الانتقاص من حقوق المواطنين.
إن المطلوب ليس أن ينتصر تيار على آخر، بل أن ينتصر السودان على أزمته التاريخية، وأن تصبح الدولة إطاراً جامعاً لجميع مواطنيها، لا أداة للهيمنة والإقصاء.
الخلاصة: السودان الذي يسع الجميع
إن جوهر أزمة السودان ليس نقص الموارد أو غياب التنوع، وإنما عجز الدولة عن إدارة هذا التنوع وتوظيف الموارد لتحقيق العدالة والاستقرار والتنمية.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن الدولة التي تحتكر فيها نخبة محدودة السلطة والثروة والقرار لا تستطيع تحقيق الاستقرار، مهما رفعت من شعارات دينية أو وطنية أو ديمقراطية.
كما أثبتت أن الحقوق والحريات لا تتحقق بمجرد تضمينها في الدساتير والمواثيق، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تحميها، وقضاء مستقل يضمنها، ومجتمع قادر على مراقبة السلطة ومحاسبتها.
إن السودان الذي نريده ليس دولة العرب وحدهم، ولا الأفارقة وحدهم، ولا المسلمين وحدهم، ولا المسيحيين وحدهم، ولا دولة المركز على حساب الأطراف؛ بل دولة جميع السودانيين، على اختلاف أعراقهم وأديانهم وثقافاتهم ولغاتهم.
نحن بحاجة إلى مشروع وطني يتفق فيه الإسلاميون والعلمانيون واليساريون والقوميون وسائر مكونات المجتمع على قواعد مشتركة لبناء الدولة، مع احتفاظ كل تيار بخصوصيته الفكرية والسياسية.
فالسودان بلد واسع، متعدد الثقافات والأديان واللغات، ويحتاج إلى عقل سياسي يتجاوز منطق الإقصاء والهيمنة، ويؤسس لدولة قوامها العدالة والمساواة والحرية والكرامة الإنسانية.
إن الدين جزء أصيل من منظومة القيم التي يستند إليها المجتمع، والعدالة والمساواة وحفظ الكرامة من القيم التي تتلاقى حولها المرجعيات الإنسانية والدينية، لكن بناء الدولة يحتاج إلى مؤسسات وقواعد دستورية تترجم هذه القيم إلى واقع ملموس.
إن السودان لا يحتاج إلى دولة تنتصر فيها أيديولوجيا على أخرى، بل إلى دولة تنتصر فيها المواطنة على الامتياز، والعدالة على التهميش، والقانون على القوة، والسلام على الحرب.
ولعل أول خطوة في هذا الطريق هي أن نتفق على أن السودان أكبر من أحزابنا، وأوسع من قبائلنا، وأعمق من خلافاتنا الفكرية والسياسية.
فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعاً ليس: من يحكم السودان؟ بل: كيف نبني دولة يستطيع الجميع أن يعيشوا فيها بكرامة وأمان وعدالة؟
سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين.
د. عصام دكين



