مقالات وكتاب

على طاولة الوطن | عاتكة عيسى إبراهيم محمود | التعليم بعد الحرب.. معركة بناء الإنسان واستعادة المستقبل

صوت الشارع

مقالات وكتاب

على طاولة الوطن | عاتكة عيسى إبراهيم محمود | التعليم بعد الحرب.. معركة بناء الإنسان واستعادة المستقبل

 

بقلم: عاتكة عيسى إبراهيم محمود

إن أخطر ما خلّفته الحرب في السودان ليس دمار المؤسسات والبنية التحتية وحده، بل ما أصاب مستقبل الأجيال من تهديد، نتيجة توقف التعليم واتساع دائرة الحرمان المعرفي. فالأوطان قد تعيد بناء ما دمرته الحروب، لكنها لا تستطيع تعويض سنوات ضاعت من أعمار الأطفال، ولا استعادة جيل حُرم من حقه في المعرفة وصناعة المستقبل.

اليوم، لم يعد إصلاح التعليم قضية خدمية قابلة للتأجيل، بل أصبح معركة وطنية ترتبط ببقاء الدولة واستقرار المجتمع. فالمناطق الأكثر تضرراً، والقرى التي فقدت مدارسها، ومجتمعات النزوح التي تشتت فيها الطلاب، تحتاج إلى تدخل عاجل يعيد التعليم إلى صدارة الأولويات، ويضمن ألا تتحول الحرب إلى حكم بالإقصاء على مستقبل أبنائها.

إن إعادة فتح المدارس ليست نهاية الأزمة، بل بداية مسؤولية أكبر تتطلب إصلاحاً جذرياً للمناهج، وتأهيل المعلمين، وتطوير التعليم الفني والتقني، وإدماج التكنولوجيا والبحث العلمي في منظومة تعليمية تستجيب لمتطلبات العصر. فالسودان لا يحتاج إلى تخريج أجيال تحفظ المقررات فحسب، بل إلى عقول ناقدة ومبدعة قادرة على الإنتاج والمشاركة في إعادة بناء الدولة.

ولا يقل البناء الفكري أهمية عن البناء الأكاديمي؛ فالتعليم الذي لا يرسخ قيم المواطنة، ويحصّن الأجيال من التعصب وخطاب الكراهية، ويعزز قبول الآخر وثقافة الحوار، يظل عاجزاً عن معالجة جذور الانقسام المجتمعي. إن معركة استعادة السودان تبدأ من المدرسة، حيث تتشكل شخصية المواطن وتتأسس رؤيته لوطن يتسع للجميع.

وتفرض المرحلة وضع خطة وطنية ملزمة، تمنح الولايات الأكثر تضرراً أولوية في التمويل والتأهيل، وتوفر فرصاً عادلة لأطفال النزوح والعودة، وفق برامج محددة وجداول زمنية ومؤشرات تقيس النتائج، لا الوعود. كما تتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، حتى لا تبقى مسؤولية إنقاذ التعليم محصورة في جهة واحدة.

وعلى طاولة الوطن نطرح سؤالاً جوهرياً: هل نمتلك الإرادة لتحويل كارثة الحرب إلى نقطة انطلاق لإصلاح تعليمي وفكري يعيد تشكيل مستقبل السودان؟ وهل ستكون إعادة الإعمار مشروعاً لبناء الحجر فقط، أم مشروعاً وطنياً يعيد الاعتبار للإنسان والعقل والمعرفة؟

إن السودان الذي ننشده لن تصنعه المباني وحدها، ولن تحميه الشعارات، بل تصنعه أجيال متعلمة، ووعي وطني مسؤول، ومؤسسات تؤمن بأن التعليم حق لا امتياز، وأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار في مستقبل الدولة.

فإذا كانت الحرب قد هدمت المدارس، فلا ينبغي أن تهدم أحلام الأجيال؛ وإذا كان الإعمار يعيد بناء الوطن، فإن التعليم هو الذي يمنحه القدرة على النهوض والبقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى