دكينيات | دكتور عصام دكين | أزمة المعيشة من داخل سوق أم درمان – أسعار لا يطيقها بشر

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكينيات | دكتور عصام دكين | أزمة المعيشة من داخل سوق أم درمان – أسعار لا يطيقها بشر
دكينيات (2074) – 2026/10/20م
دكتور عصام دكين – من أم درمان الآن
أسكن الآن في أم درمان، أكتب لكم من قلب السوق لا من تقارير المنظمات. ذهبت صباح اليوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 إلى سوق أم درمان، شركة الجديان، وهذه هي الأسعار الحقيقية التي يدفعها المواطن السوداني، وليست أرقام IPC في جنيف:
شوال لبن فونتيرا: 1,380,000 جنيه
شوال لبن شيكو ملك: 1,200,000
شوال فول 50 كيلو: 700,000
شوال بصل: 400,000 – شوال سكر: 400,000
دقيق: 160,000 – زيت فول: 650,000
عدس الفراشة 1 كيلو: 108,000
لبن كابو 2.25 كيلو: 432,000
شاي غزالتين رطل: 275,000
صابون غسيل 150 جرام: 88,000
معجون سيجنال كبير: 435,000
أيها السادة:
هذه ليست أسعار سلع كمالية، هذه أسعار البقاء على قيد الحياة.
القراءة من داخل الأزمة:
1. انهيار القوة الشرائية: عندما يكون شوال الفول بـ 700 ألف، ومرتب المعلم أو الجندي لا يتجاوز 150 ألف، فنحن لا نتحدث عن فقر، بل عن تجويع ممنهج. المواطن في أم درمان أصبح يشتري بالوقية لا بالكيلو، وبالملعقة لا بالكيس. وهذا يفسر تقرير IPC الأخير الذي قال 19.5 مليون في انعدام أمن غذائي حاد – لأن المشكلة ليست عدم وجود الفول في السوق، بل عدم قدرة الناس على شرائه.
2. مفارقة لبن فونتيرا: كيف يكون شوال اللبن المستورد بـ 1,380,000 بينما نحن بلد فيه 110 مليون رأس من الماشية؟ هذا هو ثمن شعارنا الذي نسيناه “نأكل مما نزرع”. دمرنا المراعي في دارفور وكردفان بالحرب، ودمرنا مشاريع الألبان في الجزيرة بالخصة، فأصبحنا نستورد لبن نيوزيلندا بالدولار في بلد اللبن.
3. سلة الغذاء أصبحت سلة نار: دقيق زادنا 88,000 ودقيق مخصوص 65,000 وزيت التحمير 300,000. الأسرة التي تريد أن تصنع كسرة فقط تحتاج 500 ألف في اليوم. لهذا ترى الناس في أم درمان يأكلون وجبة واحدة، ويخلطون الدكوة (15 كيلو بـ 400,000) بالماء ليصبح إداما.
4. الصناعات التحويلية ماتت: كل المنتجات المذكورة – طحينية الوافي، مربى أبو سيفين، بسكويت الشريف – هي منتجات سودانية 100% لكن أسعارها تضاعفت 3 مرات منذ يناير 2026 بسبب انهيار الجنيه وعدم وجود وقود. المصنع في أم درمان يعمل بنصف طاقة لأنه لا يجد جازولين.
أنا ابن مزارع كما قلت لكم في دكينيات (1911)، والدي حامد ود دكين توفي في زراعته في المرتفعة شمال غرب سنار لم يطعمني حراما. كنا نأكل مما نزرع. اليوم في أم درمان لا نزرع ولا نملك ثمن ما نستورده.
الحرب لم تدمر الخرطوم فقط، دمرت منظومة الغذاء. 64% من الأراضي في دارفور بلا نمو، و14 منطقة على حافة المجاعة، والناس هنا في أم درمان، في العاصمة التاريخية، يشترون الإندومي (57,000 الكرتونة) لأنه أرخص من الفول.
الخلاصة من أم درمان:
الأمن الغذائي لا يأتي بالمساعدات التي تنهب في الطريق إلى الدلنج، ولا بتقارير WFP. يأتي بالعودة للأرض. كما كان أجدادي الضبيانة يسدون الشرق بالجماجم ليحموا الأرض، اليوم يجب أن نسد الجوع بالزراعة.
أي حكومة قادمة لا تضع شوال البصل بـ 400,000 كأولوية أمن قومي، هي حكومة لا تستحق أن تحكم السودان.
نأكل مما نزرع – ومن لا يملك قوته لا يملك قراره
سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين
دكتور عصام دكين – أم درمان 20 أكتوبر 2026



