مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | لكل معلمي بلادي حباً… في اليوم العالمي للمعلم

صوت الشارع

مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | لكل معلمي بلادي حباً… في اليوم العالمي للمعلم

بقلم: نسيبة خالد
في الخامس من أكتوبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمعلم. يومٌ يفترض أن يكون مناسبة للاحتفاء بمن يحملون على عاتقهم واحدة من أعظم رسالات الإنسانية: صناعة الإنسان.
لكن حين نكتب عن المعلم السوداني، فإننا لا نستطيع أن نكتفي بعبارات التهنئة، ولا أن نضع صورة المعلم على منصات الاحتفال ثم نعود لنتركه وحيداً في مواجهة الواقع.
فالمعلم السوداني اليوم لا يحتاج إلى التصفيق بقدر ما يحتاج إلى الإنصاف.
يحتاج إلى راتب يحفظ كرامته، ومدرسة آمنة، وكتاب ووسيلة تعليم، وبيئة عمل تليق برسالته، وتأهيل مستمر، وتأمين اجتماعي وصحي، ودولة تعرف أن الاستثمار الحقيقي ليس في المباني وحدها، بل في الإنسان الذي يقف كل صباح أمام أجيال المستقبل.
إلى كل معلمي بلادي حباً… نكتب اليوم لا لنهنئكم فقط، بل لنقول إن السودان مدين لكم.
مدين للمعلم الذي ظل يذهب إلى مدرسته رغم قسوة الظروف.
مدين للمعلمة التي حملت همّ أطفالها وطلابها معاً.
مدين للمعلم الذي اضطر إلى مغادرة مدينته، لكنه لم يغادر رسالته.
مدين لكل من حمل كتابه وطباشيره، ثم وقف أمام طلابه محاولاً أن يمنحهم أملاً في وطن أنهكته الحرب.
المعلم الذي صمد حين انهارت أشياء كثيرة
الحرب لا تهدم المنازل وحدها.
الحرب تهدم المدارس، وتقطع طريق الطالب إلى التعليم، وتشتت الأسر، وتسرق سنوات من أعمار الأطفال، وتضع جيلاً كاملاً أمام خطر الأمية والتسرب وفقدان المستقبل.
وفي خضم هذا كله، ظل المعلم واحداً من أكثر الفئات التي دفعت الثمن.
معلم فقد منزله.
ومعلم فقد مصدر دخله.
ومعلم نزح مع أسرته.
ومعلمة أصبحت مسؤولة عن أطفالها في ظروف قاسية.
ومعلم ترك مدرسته مرغماً، لكنه ظل يبحث عن وسيلة ليواصل التعليم.
هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في تقارير.
هؤلاء هم الذين يحملون ذاكرة التعليم السوداني ومستقبل أجيال السودان.
ولذلك فإن الحديث عن إعادة بناء السودان لا يمكن أن يبدأ من الطرق والجسور والمباني فقط.
إعادة بناء السودان تبدأ من المدرسة.
والمدرسة تبدأ من المعلم.
كفى اختزالاً لقضية المعلم في الراتب
نعم، الراتب قضية أساسية، ولا يمكن أن نطلب من المعلم أن يبني أجيالاً بينما هو عاجز عن بناء حياة كريمة لنفسه وأسرته.
لكن القضية أكبر من الراتب.
نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لمهنة التعليم نفسها.
نحتاج إلى أن يعود المعلم إلى مكانته الطبيعية في المجتمع.
أن يصبح المعلم صاحب رأي في تطوير المناهج.
أن يكون التدريب المهني جزءاً أساسياً من حياته الوظيفية.
أن يحصل على فرص حقيقية للتطور والترقي.
أن تكون هناك حماية قانونية ومهنية له.
وأن يُقاس نجاح النظام التعليمي ليس بعدد المدارس التي افتُتحت، وإنما بمستوى الطالب الذي يخرج منها.
لا يمكن أن نبني تعليماً قوياً بمعلم مكسور.
ولا يمكن أن نطالب المعلم بالإبداع بينما نحرمه من أدوات الإبداع.
ولا يمكن أن نطلب منه أن يصنع جيلاً واثقاً، بينما يشعر هو نفسه أن الدولة لا ترى جهده ولا تسمع صوته.
يا معلم السودان… أنت لست موظفاً عادياً
المعلم ليس مجرد موظف ينفذ ساعات عمل.
هو من يكتشف الطالب الموهوب قبل أن تكتشفه المؤسسات.
وهو من يلاحظ الطفل الذي يحتاج إلى مساعدة.
وهو من يزرع قيمة الصدق والانضباط والمسؤولية.
وهو من يستطيع أن يجعل الطالب يحب وطنه، أو ينفر منه.
ومن هنا تأتي خطورة مهنة التعليم وعظمتها في الوقت نفسه.
فالمعلم يستطيع أن يغير حياة إنسان بكلمة.
وقد تكون جملة واحدة من معلم سبباً في أن يصبح طالبٌ طبيباً أو مهندساً أو عالماً أو قائداً أو معلماً.
كم من إنسان ناجح اليوم لا يزال يتذكر اسم معلمه الأول؟
وكم من سوداني في الداخل أو الخارج يحمل في ذاكرته معلماً قال له يوماً:
“أنت تستطيع.”
تلك الجملة البسيطة قد تكون أحياناً أعظم من كتاب كامل.
التعليم ليس ترفاً بعد الحرب
في السودان، لا ينبغي أن يكون التعليم بنداً مؤجلاً إلى أن تنتهي كل الأزمات.
على العكس.
التعليم هو إحدى أدوات الخروج من الأزمة.
إذا أردنا أن نحارب الفقر، فعلينا أن نصلح التعليم.
إذا أردنا أن نحارب التطرف والكراهية والعنصرية، فعلينا أن نصلح التعليم.
إذا أردنا أن نواجه البطالة، فعلينا أن نعيد بناء التعليم الفني والمهني.
إذا أردنا أن نصنع اقتصاداً منتجاً، فعلينا أن نربط التعليم بسوق العمل.
وإذا أردنا أن نبني دولة مستقرة بعد الحرب، فعلينا أن نعيد للمدرسة دورها في صناعة المواطن.
الدولة التي تترك جيلاً كاملاً خارج المدارس، لا تؤجل مشكلة فقط؛ بل تصنع مشكلة أكبر للمستقبل.
المعلم السوداني يستحق دولة ترى رسالته
نحن لا نريد أن يكون اليوم العالمي للمعلم يوماً واحداً في السنة نكتب فيه كلمات جميلة، ثم ننسى المعلم بقية العام.
نريد سياسات حقيقية.
نريد موازنة تعطي التعليم أولوية.
نريد حماية للمعلم.
نريد تدريباً وتأهيلاً.
نريد مدارس آمنة.
نريد بيئة تعليمية حديثة.
نريد استخدام التكنولوجيا بطريقة حقيقية، لا باعتبارها شعاراً.
نريد أن نفتح أمام المعلم السوداني أبواب التدريب والتعليم الإلكتروني والمنصات الرقمية.
ونريد قبل كل ذلك أن يشعر المعلم أن الدولة والمجتمع يقدّران ما يفعله.
رسالة إلى معلمات بلادي
إلى المعلمة السودانية التي تحملت فوق طاقتها…
إلى من كانت أماً ومربية ومعلمة، وفي كثير من الأحيان سنداً لأسرة كاملة…
إلى من واصلت تعليم الأطفال رغم النزوح والغربة والخوف…
إلى من دخلت الفصل وفي قلبها ألف سؤال عن بيتها وأهلها، لكنها ابتسمت أمام طلابها حتى لا يشعروا بالخوف…
لكِ أنتِ، كل الحب والاحترام.
لقد أثبتت المرأة السودانية مراراً أنها ليست مجرد شريك في بناء المجتمع، بل واحدة من أهم أعمدته.
والمعلمة السودانية كانت ولا تزال في مقدمة هذا البناء.
لا نريد معلماً يعيش على الصبر
الصبر قيمة عظيمة، لكن لا يجوز أن تتحول كلمة “اصبر” إلى سياسة دولة.
لا يمكن أن نقول للمعلم: اصبر على ضعف المرتب.
اصبر على نقص الإمكانات.
اصبر على ازدحام الفصول.
اصبر على المناهج القديمة.
اصبر على غياب التدريب.
اصبر على الظروف.
إلى متى؟
المعلم يحتاج إلى حقوق، لا إلى مواساة فقط.
يحتاج إلى حلول، لا إلى خطابات.
يحتاج إلى احترام عملي، لا إلى شهادات تقدير تعلق على جدار.
وهنا يجب أن تكون الجرأة في قول الحقيقة:
تكريم المعلم الحقيقي يبدأ عندما يصبح التعليم أولوية في ميزانية الدولة، ويصبح المعلم أولوية داخل منظومة التعليم.
من أجل جيل لم يطلب أن يولد في الحرب
هناك أطفال سودانيون لم يختاروا الحرب.
لم يختاروا النزوح.
لم يختاروا أن تتوقف مدارسهم.
لم يختاروا أن تتحول طفولتهم إلى انتظار وخوف.
لكننا نحن نملك أن نختار لهم المستقبل.
وهذا المستقبل يبدأ من المعلم.
فكل طفل يعود إلى مقعده الدراسي هو انتصار.
وكل مدرسة تفتح أبوابها هي رسالة بأن السودان لم يمت.
وكل معلم يعود إلى فصله هو إعلان بأن الحياة أقوى من الحرب.
ولهذا يجب أن تكون إعادة التعليم في السودان مشروعاً وطنياً عاجلاً، لا مجرد ملف إداري بين الوزارات.
لكل معلمي بلادي… حباً
في اليوم العالمي للمعلم، لا أريد أن أقول لكم فقط: “كل عام وأنتم بخير”.
أريد أن أقول:
أنتم جزء من ذاكرة السودان.
أنتم الذين كتبتم أول حرف في دفاتر أبنائنا.
أنتم الذين علمتمونا أن “ألف” ليست مجرد حرف، وأن الكتاب ليس مجرد أوراق، وأن المدرسة ليست مجرد مبنى.
أنتم الذين صنعتم أجيالاً من الأطباء والمهندسين والمعلمين والقضاة والباحثين والمبدعين.
أنتم الذين زرعتم فينا أول بذرة معرفة.
وفي وطنٍ يبحث اليوم عن طريق للخروج من الحرب إلى السلام، ومن الفوضى إلى الدولة، ومن الانقسام إلى الوحدة، ستكون المدرسة واحدة من أهم ساحات المعركة من أجل المستقبل.
فيا معلم السودان… لا تقلل من قيمة ما تفعل.
قد لا ترى اليوم ثمار كل ما زرعت.
لكن ربما هناك طبيب يعالج إنساناً لأنك علمته يوماً.
وربما هناك مهندس يبني بيتاً لأنك شجعته.
وربما هناك معلم جديد يقف أمام طلابه لأنك كنت قدوته.
وربما هناك وطن كامل يستعيد عافيته لأنك علمت أبناءه كيف يفكرون.
لكل معلمي بلادي حباً…
لكل من حمل الطباشير.
لكل من حمل الكتاب.
لكل من حمل همّ الطالب.
لكل من واصل رغم التعب.
لكل معلمة صمدت.
ولكل معلم لم تسمح له الظروف أن يتوقف عن الحلم.
نقول لكم اليوم:
شكراً لا تكفي، واعترافنا بفضلكم يجب ألا يكون يوماً واحداً في السنة.
كل عام وأنتم بخير.
وكل عام وأنتم صنّاع الأمل، وبناة الأجيال، وحراس مستقبل السودان.
وفي وطنٍ أنهكته الحرب، سيظل المعلم هو من يكتب على السبورة أول جملة في كتاب الغد:
“ما زال لهذا الوطن مستقبل.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى