مقالات وكتاب

عمق الكلام | عوض عمر الشائب | دعوة الي حسن الظن وأدب الحوار

صوت الشارع

مقالات وكتاب

عمق الكلام | عوض عمر الشائب | دعوة الي حسن الظن وأدب الحوار

بين تدفّق الكلمات عبر الشاشات يجد الإنسان نفسه وسط بحرٍ متلاطمٍ من الآراء والمواقف والرؤى وكثيرًا ما ننسى ونحن نغرق في جدالٍ عابر أنّ وراء كل كلمةٍ نقراها قلبًا ينبض وعقلًا يفكّر وتجربةً تختلف عن تجربتنا فما أحوجنا اليوم إلى وقفة تأمّلٍ صادقة نعيد فيها ترتيب بوصلتنا الأخلاقية ونذكّر أنفسنا بأنّ الاختلاف في الرأي سُنّة الحياة وأنّ التنوّع في الطرح مكسبٌ لا خسارة إنّ من أعظم ما يهدّد العلاقات الإنسانية في مجتمعنا ليس اختلاف الآراء في حدّ ذاته بل تلك العجلة التي نُصدر بها أحكامنا وذاك التسرّع في تفسير كلام الآخرين وفق أسوأ الاحتمالات فبدل أن نتمهّل ونتساءل لعلّه يقصد شيئًا آخر او لعلّي فهمت خطأً لعلّ خلف عبارته قصةً لا أعرفها نجد أنفسنا قد بنينا جدارًا من سوء الفهم وشيّدنا خصومةً لم يكن لها أصلٌ سوى وهمٍ نشأ في لحظة انفعال
حسن الظن ليس سذاجةً ولا ضعفًا بل هو قمّة النضج وسمة الشخص القادر على الإنصات من خلاله يعبر العقلاء من ضفّة الخصومة إلى ضفّة الفهم ومن دائرة الجدل العقيم إلى رحابة الحوار المثمر فحين نحسن الظنّ بمن يخالفنا نمنح أنفسنا فرصةً لنرى الفكرة من زاوية أخرى وقد نكتشف أنّ ما ظننّاه تعارضًا هو في حقيقته تكامل وأنّ ما حسبناه خلافًا هو مجرّد اختلافٍ في الطريق لا في الوجهة
إنّ اختلاف الرأي شي طبيعي وتقبل الرأي الآخر أيضا شي طبيعي لماذا نجعله غير ذلك والناس مختلفون في مشاربهم وثقافاتهم وتجاربهم ومن الطبيعي أن تختلف رؤاهم وطرائقهم في الطرح فكلّ شخص ينظر إلى الدنيا من نافذته الخاصة ويتحدّث من موقعٍ خاص ويحمل من التجارب ما لا يحمله غيره ومن هنا فإنّ الحكم على كلام الآخرين ينبغي أن يسبقه استعدادٌ للتأنّي ورغبةٌ صادقة في الإصغاء حتى النهاية لا أن نختطف الكلمة من بين شفتي صاحبها ثم نصدر عليه أحكامًا جائرة ولعلّ من أبرز مانعاني منه اليوم ذلك الخلط بين شخصنة الرأي والموضوعية في النقاش فكثيرًا ما ننتقل من مناقشة الفكرة إلى مهاجمة صاحبها ومن تحليل الطرح إلى تقييم النوايا وهكذا يتحوّل الاختلاف الطبيعي إلى خصومةٍ شخصية ويتحوّل تبادل الآراء إلى تبادل الاتهامات حتى ينطبق علينا قول القائل وكم من خلافٍ بداء بكلمة وانتهى إلى قبيلتين
فإن أردنا أن نرتقي بحواراتنا وأن نجعلها وسيلةً للبناء لا هدمًا للعلاقات فلنبدأ من أنفسنا نتمهل حين نقرأ ونحسن الظنّ حين نسمع ولنفترض بأنّ من يخالفنا يحمل نيّةً طيبة كما نحملها نحن ولنعلم أنّ احترام الآخر ليس تنازلًا عن رأينا بل هو تمسّكٌ بفضيلةٍ أرقى من مجرّد الانتصار في جدال
عمق اخر…
فالاحترام ليس كلمةً نقولها بل سلوكٌ في اختيار ألفاظنا وفي قدرتنا على الاعتراف بأنّ الآخر قد يكون على حق أو على الأقلّ قد يكون له ما يبرّر رأيه وإنّ أعظم الناس قدرًا ليس من يصرّ على أنّ رأيه هو الصواب بل من يقول أنا أرى هذا وأنت ترى ذلك فإنّ آداب الحوار ضرورةٌ ملحّة في زمنٍ أصبحت فيه الكلمة قادرةً على أن تشعل نارًا أو تبني جسرًا فليكن خيارنا دائمًا هو الجسر لا النار ولنعلم أنّ من يزرع حسن الظنّ يحصد المحبّة ومن يتأنّى في ردوده يكسب عقولًا وقلوبًا فما أجمل أن نقول أفهمك، لكنّي أراك من زاوية أخرى بدلًا من أن نقول أنت مخطئ ولا تفهم. عندها فقط سنكتشف أنّ الاختلاف لم يكن يومًا نهايةً لحوار بل كان دائمًا بدايته

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى