عمق الكلام | عوض عمر الشائب | القيمة الحقيقية كالعطر لا تحتاج إلى ضجيج لتُعلن عن نفسها

صوت الشارع
مقالات وكتاب
عمق الكلام | عوض عمر الشائب | القيمة الحقيقية كالعطر لا تحتاج إلى ضجيج لتُعلن عن نفسها
الإنسان الممتلئ من الداخل ممتلئ علماً وتجربةً وثقةً لا يحتاج إلى أن ينتقص من أحد لكي يبدو كبيراً هو كبيرٌ بذاته مكتفٍ بعالمه مدركٌ لقيمته الحقيقية فلا يرى في نجاح الآخرين تهديداً له ولا في مدح غيره انتقاصاً منه بل على العكس هو أول من يفرح لنجاح غيره وأول من يمد يده ليرفع من حوله لأنه يعلم أن القمم تتسع للجميع وأن نور غيره لا يطفئ نوره تأمل في مجالسنا ستجد أن أكثر الناس سخريةً واستهزاءً هم أقلهم إنجازاً وعطا السخرية هي سلاح من لا سلاح له هي محاولة يائسة من إنسان فارغ ليشعر للحظة بأنه أفضل الفارغ لا يملك ما يقدمه لا فكرةً ولا مشروعاً ولا قيمةً ملموسة فيلجأ إلى أسهل الطرق هدم ما بناه الآخرون بالكلمة وتشويه ما أبدعوه بالسخرية يظن أنه بارتفاع صوته ساخراً يرتفع مقامه ولا يدري أنه يكشف فراغه أكثر الإنسان العميق كعمق الكلام لا يسخر لأنه منشغل بالبناء وبالفهم بالتجاوز ليس لديه وقت فراغ لمراقبة عثرات الناس وتتبع زلاتهم عقله منشغل بما هو أهم بعد السخرية دايما يأتي التكبر ولكن هذا التكبر بالتأكيد ليس دليل قوة كما يتوهم البعض بل هو القناع الأكثر شيوعاً لإخفاء شعور عميق بالنقص المتكبر يلبس ثوباً أوسع منه “والله جد” يتحدث بصوت أعلى من حجمه ويمشي بغرور ليقنع نفسه قبل أن يقنع الآخرين بأنه مهم ولو كان مهماً حقاً لما احتاج إلى كل هذا الجهد المسرحي دايما التواضع يأتي مع الامتلاء فالشجرة المثمرة هي التي تنحني تواضعاً أما الفارغة فتظل شامخة بجذع أجوف كذلك الإنسان كلما ازداد علماً ويقيناً ازداد تواضعاً وليناً وكلما ازداد جهلاً ازداد صخباً وتكبراً الشخص الواثق من نفسه لا يحتاج إلى أن يثبت شيئاً لأحد ثقته ليست في كلماته فقط بل في حضوره يدخل المجلس هادئاً فيُشعر به الجميع دون أن يتكلم يتحدث قليلا وإذا تحدث كان لكلامه موزون لا يرفع صوته ليُسمع ولا يزين حديثه بالمبالغات ليُصدق أفعاله تتحدث عنه وسيرته تسبقه وتاريخه يغني عن تعريف نفسه في كل مرة لا يدخل في صراع لإثبات من الأفضل لأنه تجاوز مرحلة المقارنة
عمق أول….
هناك قاعدة ذهبية واعتقد انها لا تخطئ كثيرا فمن يتحدث كثيراً عن قيمته هو في الغالب يحاول إخفاء حقيقة أنه لا يشعر بها الممتلئ لا يقول “أنا ممتلئ”. الغني لا يصرخ في كل مجلس “أنا غني”. القوي لا يحتاج أن يكتب على جبينه “أنا قوي” القيمة الحقيقية مثل العطر لا تحتاج إلى ضجيج لتُعلن عن نفسها يكفي أن تمر لتترك أثرها أما الضجيج العالي حول الذات وتكرار “أنا فعلت، أنا أملك أنا أعرف فما هو إلا استغاثة خفية وطلب غير مباشر للتصديق لأن صاحبها نفسه غير مصدق
عمق اخر…
في النهاية الامتلاء الداخلي رزق وهو غالبا يكون حصيلة قراءة وتجربة وخلوة مع النفس وتصالح مع العيوب ورضا بما قُسمه الله لك ومن رُزق هذا الامتلاء استغنى عن تصغير الناس واستغنى عن الأقنعة واستغنى عن الكلام الكثير فحضوره يكفي

