مقالات وكتاب

عمق الكلام | عوض عمر الشائب | إنقسام الجاليات من المستفيد ومن المتضرر

صوت الشارع

مقالات وكتاب

عمق الكلام | عوض عمر الشائب | إنقسام الجاليات من المستفيد ومن المتضرر

 

في المدن الكبرى كالرياض و جدة وغيرها تذوب الجالية في زحام المدن وتنوعها وتجد لها مؤسسات كبيرة تستوعب خلافاتها أما في المدن الصغيرة فإن المشهد يختلف تماماً هنا الجالية صغيرة الجميع يعرف بعضهم البعض فالمسجد الكبير واحد والمدرسة السودانية قد تكون واحده ومع ذلك فإن الانقسام فيها يكون أكثر حدة ووضوحاً وألماً فالمدينة الصغيرة لا تملك رفاهية التعدد مثل المدن الكبرى التي يمكن لكل تيار أن يؤسس جمعيته ومنتداه أما هنا فهناك مقعد واحد للجميع

الجالية السودانية في المدينة الصغيرة غالباً ما تتمحور حول كيان واحد وهذا المتعارف عليه مثل “رابطة أبناء السودان ” أو “الجالية السودانية “أو “لجنة تسييرية” هذا الكيان هو بوابة التواصل مع السفارة ومع إمارة المنطقة أو مع من يلزم التواصل معه لحل مشكله والصراع هنا ليس على أفكار بل كثير من الناس يعتقدون ان المصارع على يكون الرئيس ومن يكون المتحدث ومن يستقبل المسؤول القادم من السفارة ليبقى هذا الصراع على “الكرسي اليتيم” الذي يحول العمل الطوعي إلى معركة شخصية

ما قبل 15 أبريل 2023 كان الانقسام في جاليات السودان بالخليج انقساماً ناعماً بين خريجي جامعة وجامعة أخرى أما بعد الحرب فقد دخل الانقسام السياسي والعسكري بكل ثقله إلى مجالس المدينه أصبح السؤال الابرز ليس “من أين أنت في السودان؟” بل “مع من أنت؟”ووسائل التواصل ومجموعات الواتساب الخاصة بهذه التكتلات

تحولت من مكان لتبادل فرص العمل إلى ساحة حرب كلامية يومية تنتهي في كثير من الأحيان بمغادرة نصف الأعضاء وإنشاء مجموعة منافسة وهناك مساله يجب الانتباه لها ففي المدن الصغيرة فرص العمل محدودة وبهذه المناكفات يتحول أبناء الجالية الواحدة من سند لبعضهم إلى منافسين مباشرين وتنشأ ثقافة “قطع الأرزاق” والتحذير من بعضهم البعض أمام صاحب العمل ليبقى السؤال العريض من المستفيد من هذا التشرزم مؤكد في كل انقسام هناك مستفيدون لا يظهرون في الصورة.

فالجالية الموحدة يكون لديها صندوق تكافل قوي ولديها قدرة تفاوضية مع المستوصفات والمدارس الأهلية لتخفيض الرسوم ولديها كلمة مسموعة إذا ظُلم أحد أبنائها أما الجالية المنقسمة فيسهل استغلالها وكثثير من الناس يعتقدون ان في هذا الظرف ينمو سمسار الخدمات الذي قد يوهم كل طرف أنه هو الأقرب للسفارة أو للجهات الرسمية ويأخذ مقابلاً مادياً أو معنوياً لتخليص معاملة كان يمكن أن تُنجز مجاناً لو كانت الجالية موحدة وبحكم وجودي في مدن صغيرة أو متوسطة نسبياََ نجدها بطبيعتها مجتمع محافظ ومترابط وهي ترحب بالجالية المنظمة التي تحترم عاداتها وتشارك في فعالياتها لكنها تنفر من الجالية المنقسمة كثيرة المشاكل والشكاوى المتبادلة هذا

الانقسام يعطي انطباعاً سلبياً عن السودانيين ككل ويجعل أصحاب العمل يفضلون جنسيات أخرى يرونها “أقل مشاكل” وايضاََ هناك جهات سياسية في السودان أو إعلامية تجد في انقسام الجاليات مادة خصبة فالجالية السودانية في الخليج كانت تاريخياً جالية مسالمة منتجة بعيدة عن السياسة واليوم مع كل انقسام في قروب واتساب يتحول النقاش الي خلاف ثم خصام و إساءة وهنا يأتي دور الوعي فمثل تلك الصور السلبيه تكسر صورة السوداني المحترم التي بناها المغتربون في الخليج على مدى خمسين عاماً أو يزيد ليبقى المتضرر والخاسر الأكبر ليس طرفاً ضد طرف بل الجميع ويبقى الوافد أو المغترب الجديد هو الضحية عندما يأتي معلم أو ممرض أو مهندس أو دكتور أو محاسب سوداني جديد إلى المدينة فهو لا يحتاج إلى حزب بل يحتاج إلى من يستقبله في المطار ويدله على الحي المناسب ويعرفه على المدارس وغيرها من معالم المدينة في ظل الانقسام يجد نفسه أمام سؤال محرج “تنضم لمجموعتنا أم لمجموعتهم؟” فإن انضم لهذه قاطعته تلك وإن حاول البقاء محايداً قاطعه الجميع

وايضا في المدن الكبرى يمكن للأطفال أن يلتقوا في مدارس متعددة اما في المدن الصغيرة النشاط الترفيهي الوحيد للأطفال هو التجمع الأسبوعي للجالية في الاستراحة أو في ملعب كرة قدم وعندما تنقسم الجالية ينقسم الأطفال وتُحرم الأسر من متنفسها

الوحيد وتزداد غربتها غربة كما يمكن أن تتعطل كثير من المبادرات وفرص العمل فسمعة السوداني التي بناها السابقون على مدى عقود كانت مضرب مثل في الأمانة والكفاءة وحسن الخلق كلمة “السوداني” كانت تزكية بحد ذاتها عند صاحب العمل اما اليوم مع كثرة الشكاوى والانقسامات والتشهير المتبادل على قروبات الفيسبوك والذهاب إلى مكتب العمل ضد بعضهم البعض بدأت هذه الصورة الذهبية تتشقق والمتضرر هو كل سوداني حتى الذي لم يشارك في أي خلاف

كثير من الجاليات الان هي الشريان الاقتصادي الأهم لأسر كثيرة في السودان خاصة مع الحرب وعندما تنقسم الجالية تتعطل صناديق دعم الأسر المتعففة وتتعطل كثير من تلك المبادرات ويتوقف مشروع إرسال الأدوية فالخلاف يدفع ثمنه مريض في أم درمان أو في اي بقعه من أرض الوطن الحبيب ينتظر دواءً لم يعد أحد يجمع ثمنه

عنق اخر…

الحل لا يكمن في إنكار الخلاف فالخلاف مشروع الحل يكمن في وضع “ميثاق شرف ” تتوافق عليه الجالية في المدن الصغيرة ولا ينكسه احد نختلف في السياسة لكن لا ننقل الخلاف إلى مكان العمل نختلف في الرأي لكن صندوق المريض والميت خط أحمر نختلف في المجموعات لكننا لا نشهر ببعضنا أمام الأجنبي ولا أمام صاحب العمل نتفق لكي نتوحد وننهض

قوة الجالية السودانية لم تكن يوماً في كثرتها، بل في سمعتها بأنها يد واحدة فهل نحافظ على ما تبقى من تلك اليد أم نتركها تتفرق بين قروبات الواتساب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى