مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | لن استبدل كلمة العلمانية بالدولة المدنية.. الكلمة التي نخاف منها أكثر مما نفهمها

صوت الشارع

مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | لن استبدل كلمة العلمانية بالدولة المدنية.. الكلمة التي نخاف منها أكثر مما نفهمها

دكينيات(2005)2026/9/30,م.

لن استبدل كلمة العلمانية بالدولة المدنية.. الكلمة التي نخاف منها أكثر مما نفهمها.

دكتور عصام دكين.

أخطر ما في العلمانية في السودان ليس العلمانية نفسها… بل الكلمة.
قل لمسلم سوداني: «نريد دولة مواطنة»، فيستمع إليك.
قل له: «نريد دولة مدنية»، فيسألك: كيف؟
لكن قل له: «نريد دولة علمانية»…
قد يتغير وجه الحوار كله.
لماذا؟
لأنك لم تعد بالنسبة إليه تتحدث عن شكل الدولة وعلاقتها بالدين، بل اقتربت من منطقة شديدة الحساسية في الذاكرة: الدين، والهوية، والحرب، والجنوب، والحركة الإسلامية، وسقوط الإنقاذ، ومستقبل السودان.
وهنا تكمن إحدى أهم قضايا الفصل الذي خصصه البغدادي للعلمانية في كتابه «في نقد الإسلام السياسي».
العلمانية… أم الإلحاد؟
لنبدأ من أكثر نقطة التباسًا.
في الوعي الشعبي، وخصوصًا في الخطاب الإسلامي السياسي، كثيرًا ما تُختزل العلمانية في معادلة بسيطة:
العلمانية = لا دينية = إقصاء الإسلام = إلحاد.
لكن هذه ليست معادلة علمية.
العلمانية، في أحد تعريفاتها السياسية الأساسية، تتعلق بعلاقة الدولة بالدين، وبحدود سلطة الدولة في المجال الديني، وبكيفية إدارة مجتمع يضم مواطنين مختلفين في معتقداتهم وتصوراتهم.
وهنا يجب أن ننتبه إلى شيء مهم:
العلمانية ليست نموذجًا واحدًا في كل العالم.
هناك تجارب علمانية شديدة الاختلاف في فرنسا والولايات المتحدة والهند وتركيا وغيرها، وبالتالي فإن اختزال العلمانية في نموذج أوروبي واحد ليس دقيقًا.
لكن لماذا ترسخت الصورة الأخرى في السودان؟
لأن المصطلح لم يدخل إلينا مجردًا من التاريخ.
دخل محمولًا على الصراع السياسي.
الكلمة التي وصلت محمّلة بالدم والذاكرة
السوداني لا يسمع الكلمات دائمًا بأذن المفكر.
أحيانًا يسمعها بأذن التاريخ.
وحين يسمع «العلمانية»، قد تستدعي ذاكرته سنوات الحرب، والجنوب، والشريعة، والحركة الإسلامية، والصراع حول هوية الدولة.
منذ قوانين سبتمبر عام 1983، مرورًا بالحرب الأهلية، ثم انقلاب 1989 وصعود الإسلاميين إلى السلطة، أصبحت علاقة الدين بالدولة جزءًا من الصراع على السودان نفسه.
وفي ظل حكم الإنقاذ، لم يعد الإسلام مجرد دين المجتمع، بل أصبح جزءًا من المشروع السياسي للدولة.
لذلك، عندما كان أحدهم يتحدث عن فصل الدين عن الدولة، كان الطرف الآخر قد يسمع شيئًا أكبر:
أنت تريد إسقاط المشروع الإسلامي.
ثم جاءت ثورة ديسمبر 2018–2019، وسقوط نظام البشير، والمرحلة الانتقالية، واتفاق جوبا للسلام، والنقاشات حول علاقة الدين بالدولة.
فازدادت الكلمة حمولة.
وهكذا تحولت العلمانية من مفهوم سياسي إلى رمز لصراع تاريخي كامل.
وهنا يظهر «مرض الكنيسة»
من أكثر الاعتراضات الإسلامية شيوعًا على العلمانية سؤال يبدو بسيطًا:
إذا كانت العلمانية جاءت في أوروبا لحل مشكلة الكنيسة، فأين الكنيسة في الإسلام؟
السؤال مشروع.
فأوروبا عاشت تاريخًا خاصًا، كانت فيه الكنيسة مؤسسة ذات سلطة دينية وسياسية واسعة، وكان الصراع على حدود تلك السلطة أحد السياقات التي ساهمت في تطور الفكر السياسي الحديث.
أما الإسلام، فلا توجد فيه كنيسة مركزية بالمعنى المسيحي الأوروبي، ولا كهنوت يحتكر العلاقة بين الإنسان وربه بالطريقة نفسها.
إذن:
لماذا نستورد الحل؟
لكن هنا يجب أن نطرح السؤال الآخر.
إذا لم تكن لدينا كنيسة، فهل يعني ذلك أننا لا نحتاج إلى التفكير في حدود علاقة الدين بالسلطة؟
بالطبع لا.
فالسؤال لا يتعلق فقط بـ«الكنيسة».
السؤال يتعلق بـ:
من يملك الدولة؟
ومن يضع القوانين؟
ومن يحدد حقوق المواطنين؟
وهل يستطيع الحاكم أن يستخدم الدين لإضفاء الشرعية على سلطته؟
وهل تستطيع الأغلبية الدينية أن تحول الدولة إلى أداة لفرض تصورها على الآخرين؟
هنا نكتشف أن المشكلة أوسع من الكنيسة.
الدين ليس هو المشكلة
وهذه ربما أهم نقطة يجب أن نقولها بوضوح.
المشكلة ليست في أن يكون المجتمع متدينًا.
ولا في أن يمارس المسلم شعائره.
ولا في أن يتحدث المسيحي عن عقيدته.
ولا في أن تكون للقيم الدينية مكانة في المجال الاجتماعي والثقافي.
السؤال يبدأ عندما تنتقل المسألة من:
«أنا أؤمن»
إلى:
«لذلك يجب أن تفرض الدولة هذا الإيمان على الجميع».
هنا يبدأ الخلاف السياسي.
فالحياد الديني للدولة، إذا كان المقصود به عدم تفضيل الدولة لمواطن على آخر بسبب معتقده، لا يعني بالضرورة أن المجتمع يجب أن يصبح بلا دين.
وهذا فارق جوهري.
الدولة شيء، والمجتمع شيء آخر.
المجتمع يمكن أن يكون شديد التدين.
لكن الدولة مطالبة بأن تتعامل مع مواطنيها بوصفهم مواطنين.
لماذا نرتاح إلى «مدنية الدولة» أكثر من «العلمانية»؟
هنا نصل إلى أكثر النقاط إثارة للاهتمام.
ربما لا يحتاج السودان إلى أن يبدأ نقاشه من كلمة «العلمانية».
ربما يحتاج إلى أن يبدأ من المضمون.
قل:
مدنية الدولة.
قل:
المواطنة.
قل:
المساواة أمام القانون.
قل:
حرية الاعتقاد.
قل:
عدم التمييز بسبب الدين.
قل:
عدم استخدام مؤسسات الدولة لخدمة حزب أو جماعة دينية بعينها.
ثم اسأل:
هل نختلف على هذه المبادئ؟
هنا يصبح الحوار مختلفًا.
لكن يجب ألا نخدع أنفسنا أيضًا.
استبدال كلمة «العلمانية» بـ«الدولة المدنية» لا يحل المشكلة تلقائيًا.
فالأسئلة ستعود في النهاية:
ما مصدر التشريع؟
ما حدود المرجعية الدينية؟
ما حقوق غير المسلمين؟
ما حقوق من لا يتبنى الدين أصلًا؟
هل يحق للدولة أن تفرض تفسيرًا دينيًا معينًا؟
وأين ينتهي حق الأغلبية ويبدأ حق الأقلية؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية.
أما اسم اللافتة فوق الباب، فهو أقل أهمية.
«الوطن وعاء الدين»
ومن أجمل الأفكار التي يطرحها المؤلف في هذا السياق أن الوطن هو وعاء الدين.
وهذه الفكرة تستحق التأمل بعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف مع صاحبها.
لأننا إذا كنا نخشى على الدين، فعلينا أن نسأل:
كيف نحمي الوطن الذي يعيش فيه هذا الدين؟
إذا تحول الصراع حول الدين إلى حرب أهلية، فماذا بقي لنا؟
وإذا أدى الصراع على هوية الدولة إلى تمزيق الدولة، فمن الذي انتصر؟
وإذا أصبح الدين وقودًا للصراع السياسي، فهل خدمنا الدين أم استخدمناه؟
السودان دفع ثمنًا هائلًا بسبب الخلاف حول سؤال الهوية.
ولهذا فإن حماية الوطن ليست قضية ثانوية في هذا النقاش.
الوطن ليس خصمًا للدين.
الوطن هو المجال الذي يعيش فيه المتدين وغير المتدين، المسلم والمسيحي، العربي والأفريقي، المختلف والمتفق.
العلمانية ليست هي الديمقراطية
وهنا خطأ آخر يتكرر كثيرًا.
العلمانية والديمقراطية ليستا كلمة واحدة.
الديمقراطية تتعلق أساسًا بمصدر السلطة السياسية، والمشاركة، والتمثيل، وتداول السلطة والحقوق السياسية.
أما العلمانية فتتعلق، في أحد معانيها الأساسية، بعلاقة الدولة بالدين.
قد تجتمعان.
وقد تختلفان في التطبيق.
لكن لا ينبغي أن نضع علامة مساواة بينهما.
فالسؤال الديمقراطي هو:
كيف يشارك الناس في حكم أنفسهم؟
والسؤال المتعلق بالعلمانية هو:
كيف تنظم الدولة علاقتها بالدين، وتحمي حقوق المواطنين المختلفين؟
والسؤال السوداني ربما يكون:
كيف نفعل الأمرين معًا دون أن يتحول أي منهما إلى أداة لإلغاء الآخر؟
المشكلة في السودان ليست كلمة واحدة
ربما وصلنا هنا إلى جوهر المسألة.
نحن نختلف كثيرًا حول الأسماء.
علماني.
إسلامي.
مدني.
ديني.
إسلام سياسي.
دولة المواطنة.
لكن خلف هذه الكلمات أسئلة أكثر أهمية.
هل المواطنون متساوون؟
هل الدولة ملك لحزب أم ملك للمجتمع؟
هل الدين مصدر للإيمان والقيم، أم أداة لاحتكار السلطة؟
هل يمكن للمختلف أن يعيش آمنًا دون أن يُطلب منه أن يصبح نسخة من الأغلبية؟
هل نستطيع أن نبني دولة تحمي تدين الإنسان، وفي الوقت نفسه تحميه من استخدام الدين لإكراهه؟
هذه الأسئلة أهم من معركة المصطلحات.
دكينيات تقول:
ربما لا تكون المشكلة في أن يقول أحدهم:
«أنا علماني».
ولا في أن يقول آخر:
«أنا إسلامي».
المشكلة تبدأ عندما يعتقد أحدهما أن اختلافه يمنحه حق إلغاء الآخر.
الدولة التي نحتاجها ليست الدولة التي تنتصر فيها جماعة على جماعة.
بل الدولة التي يستطيع فيها المختلفون أن يعيشوا معًا.
لا نحتاج أن نتفق في العقيدة حتى نتفق في المواطنة.
ولا نحتاج أن نتفق في تفسير الدين حتى نتفق على حرمة الدم والحق والكرامة.
وربما يكون السؤال الذي يستحق أن نبدأ منه في السودان ليس:
هل تريد العلمانية؟
بل:
أي دولة تريد أن يعيش فيها أبناؤك غدًا؟
دولة يكون فيها الدين سببًا للتعايش…
أم سببًا للصراع؟
دولة يكون فيها الاختلاف ثراءً…
أم تهمة؟
دولة يكون فيها الوطن وعاءً للجميع…
أم ساحةً لمعركة لا تنتهي؟
هنا يبدأ النقاش الحقيقي.
وهنا تبدأ «دكينيات».
دكتور عصام دكين

عصام دكين

أنا دكتور زراعي ضل طريقه إلى عالم السياسة الكذوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى