شخصيات سودانيةمن رفاعة

من رفاعة | توثيق : أسعد أبو زيد | أحمد حسن الزين — العالم، المعلّم، شيخ الخلوة | الشيخ أحمد صاحب يس (تور يس)

صوت الشارع

شخصيات سودانية

  • من رفاعة | توثيق : أسعد أبو زيد | أحمد حسن الزين — العالم، المعلّم، شيخ الخلوة | الشيخ أحمد صاحب يس (تور يس)

╔════════════════════════════╗
🌿 مِنْ ذَاكِرَةِ رِفَاعَة 🌿
╚════════════════════════════╝

الشيخ أحمد صاحب يس (تور يس)

أحمد حسن الزين — العالم، المعلّم، شيخ الخلوة

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

اسمه ولقبه

هو الشيخ أحمد حسن الزين، المعروف بلقب «تور يس»، وهو لقب حُرِّف لفظه إلى «صاحب يس»، وقيل إن سبب التسمية ملازمته تلاوة سورة يس، حتى عُرف عنه أنه كان يتلوها مئة مرة كل يوم.

وهو من الشخصيات الدينية التي ارتبط اسمها بتاريخ رفاعة العلمي والديني، وأسهمت في ترسيخ تعليم القرآن الكريم وعلومه في المنطقة.

الميلاد والنشأة

وُلد الشيخ أحمد حسن الزين في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، بقرية قوز المطرق بمركز شندي، ونشأ في أسرة تعمل بالزراعة، وينتمي إلى القريداب، الذين تذكر الرواية الواردة في المصادر أن نسبهم يعود إلى سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

بدأ حياته بمساعدة والده في الزراعة، ثم اتجه إلى طلب العلم، فالتحق بخلوة القرآن في مسقط رأسه، وبدأ رحلة حفظ كتاب الله وتعلم علومه.

رحلة طلب العلم

واصل الشيخ رحلته العلمية حتى أكمل حفظ القرآن الكريم وتعلم علومه على يد الشيخ الفكي الأمين ود أم حقين بمنطقة الجزيرة إسلانج شمال أم درمان.

وكان ذلك في فترة شهد فيها السودان أحداثاً واضطرابات كبيرة صاحبت حملة إسماعيل بن محمد علي باشا على السودان، وما ترتب عليها من نزوح واضطراب في حياة الناس، فكانت رحلة الشيخ إلى الجزيرة إسلانج جزءاً من تلك الظروف التي دفعت كثيراً من أهل العلم وطلاب المعرفة إلى الانتقال من مناطقهم.

وقد وجد الشيخ أحمد في شيخه الفكي الأمين ود أم حقين معيناً على العلم والتزكية، ثم أخذ عنه أيضاً الطريقة السمانية.

التكليف بنشر العلم

اختص الشيخ الفكي الأمين ود أم حقين أربعةً من تلاميذه بتوجيهات خاصة، وحثهم على التفرغ لتعليم الناس أمور دينهم ونشر العلم بينهم.

وكان نصيب الشيخ أحمد أن يُوجَّه إلى مدينة رفاعة، فحمل رسالته العلمية إليها، وأهداه شيخه مصحفاً بخط يده، ظل محفوظاً لدى أحفاده، شاهداً على تلك الرحلة العلمية المباركة.

القدوم إلى رفاعة وبناء الخلاوي

استقر الشيخ أحمد في رفاعة بعد أن أتم حفظ القرآن الكريم وعلومه، وبدأ في تأسيس الخلاوي وتجهيزها بالمواد المحلية المتاحة آنذاك، واستقبال طلاب العلم والقرآن.

وكان ذلك في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، في وقت كانت فيه الخلاوي من أهم منابع التعليم الديني في السودان، فكانت خلوة الشيخ أحمد مقصداً لعدد كبير من الطلاب، ولا سيما مع ندرة الخلاوي في المنطقة في ذلك العهد.

ولم تكن الخلوة مجرد مكان لتحفيظ القرآن، بل كانت مدرسةً للعلم والتربية والسلوك، ومجلساً للعبادة، وموئلاً للضيوف، ومركزاً للإصلاح الاجتماعي.

الخلوة ورسالتها في رفاعة

أدّت خلاوي الشيخ أحمد دوراً مهماً في نشر القرآن الكريم وتعليم الناس أمور دينهم، وأصبحت مقصداً للطلاب والضيوف، ومكاناً لإقامة الصلوات والدروس.

وكان للخلاوي أثر واضح في الحياة الاجتماعية بمدينة رفاعة؛ إذ شاركت في حل المشكلات، وإصلاح ذات البين، واستقبال عابري السبيل، والإسهام في مختلف المناشط الاجتماعية.

وكان للخلوة مؤذن معروف هو الفكي يس.

وهكذا لم يكن نجاح الخلوة قائماً على تحفيظ القرآن فحسب، وإنما على منظومة متكاملة من العلم والعبادة والتربية وخدمة المجتمع، وهو ما جعل أثرها يتجاوز جدرانها إلى المجتمع كله.

في رحاب الثورة المهدية

عند قيام الثورة المهدية، انتدب الشيخ أحمد للجهاد في شرق السودان تحت إمرة الأمير عثمان دقنة، فشارك في تلك المرحلة بما عُرف عنه من التزام وإقدام.

وفي نهاية عهد الخليفة عبدالله، عاد إلى أم درمان مع غيره لمواجهة خطر الغزو الإنجليزي، وشهد تلك المرحلة التي انتهت بانتصار الجيش الغازي في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي.

ثم عاد الشيخ مرة أخرى إلى رفاعة، ليواصل رسالته التي لم تنقطع: تعليم القرآن الكريم ونشر العلم بين الناس.

من بعده تلاميذه وأبناؤه

بعد أن استقر أمر الخلوة، أوكل الشيخ أحمد مهمة تحفيظ القرآن إلى ابنه عبد القادر، كما عهد إلى ابنه الفكي علي بتدريس علوم الفقه، بعد أن اطمأن إلى تأهلهما للقيام بهذه الرسالة.

أما هو، فقد انقطع أكثر للعبادة والمجاهدات الروحية، وكان يقيم في غاره المشهور المعروف إلى يومنا هذا بـ غار الشيخ، على شاطئ النيل غرب رفاعة، حيث كان يخلو بنفسه ويقيم الليالي في العبادة.

ومع ذلك، لم ينقطع عن الخلوة، بل ظل يتفقد أمرها ويتابع أداء رسالتها العلمية والدينية والاجتماعية.

تلاميذ حملوا الرسالة

تتلمذ على يدي الشيخ أحمد صاحب يس عدد من الرجال الذين كان لهم أثر بارز في نشر المعرفة والعلم في السودان، ومنهم:

الشيخ لطفي، محمد عبد النور، أبو بكر المليك، يوسف دفع الله، محمد سعيد محمد خير، الصادق عيسى، بشير الطيب.

وقد أسهم هؤلاء وغيرهم في حمل مشعل العلم والمعرفة، فامتد أثر ما تعلموه من رفاعة إلى مناطق مختلفة من السودان.

الخلوة في عهد الاستعمار

في حقبة الاستعمار الإنجليزي، انحسر مد التعليم الديني، ولم تجد الخلاوي التشجيع الكافي من الدولة، ثم اتجه الناس تدريجياً نحو التعليم النظامي.

وأصاب خلاوي الشيخ أحمد ما أصاب غيرها من الاضمحلال والتراجع، رغم ما ظل لها من أهمية في التوعية الدينية وحفظ القرآن الكريم وتربية الأجيال.

وهكذا بقيت الخلوة شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ رفاعة، حين كان القرآن والعلم والتربية يشكلون أساساً راسخاً في حياة المجتمع.

رحيل شيخنا الجليل

ظل الشيخ أحمد صاحب يس في رفاعة حتى وفاته، ودُفن فيها عام 1927م، بعد حياة حافلة بالعلم والعبادة والتعليم وخدمة الناس.

رحل الجسد، وبقي الأثر؛ وبقي القرآن الذي علّمه، والطلاب الذين تخرجوا على يديه، والخلوة التي احتضنت أجيالاً من أبناء السودان، شاهداً على رجلٍ جعل من حياته رسالةً في خدمة كتاب الله والناس.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

كلمة وفاء

إن الحديث عن الشيخ أحمد صاحب يس (تور يس) ليس حديثاً عن رجلٍ عاش في زمن مضى فحسب، وإنما هو استحضار لصفحة من صفحات رفاعة التي قامت على العلم والقرآن والخلوة والتربية.

لقد كان من أولئك الرجال الذين لم يتركوا وراءهم مالاً أو منصباً فحسب، بل تركوا تلاميذ يحملون العلم، وأجيالاً تحفظ القرآن، وأثراً ظل ممتداً في حياة الناس.

رحم الله شيخنا الجليل، وجزاه عن القرآن وأهله وطلابه خير الجزاء.

دعوة لأبنائه وأحفاده ومعارفه

وندعو أبناء الشيخ وأحفاده، وكل من عرفه أو عاصره أو سمع عنه إلى الترحم عليه والدعاء له بالرحمة والمغفرة.

كما نرجو من كل من لديه معلومة، أو وثيقة، أو صورة، أو موقف، أو ذكرى، أو مَأثرة عن الشيخ أحمد صاحب يس أن يضيفها، حتى تكتمل هذه السيرة، وتظل سيرته حاضرة في ذاكرة رفاعة وأجيالها.

فمثل هؤلاء الرجال جديرون بأن تُحفظ سيرتهم، وأن تُروى مآثرهم، وأن تعرف الأجيال القادمة كيف كان العلم والقرآن والخلوة ركائز أساسية في بناء المجتمع.

🕊️ رحم الله الشيخ أحمد صاحب يس (تور يس) رحمةً واسعة، وغفر له، وجعل ما علّم وحفّظ ونشر من علم القرآن في ميزان حسناته، وأنار قبره، ورفع درجته، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

اللهم اجعل القرآن الذي علّمه، والعلم الذي نشره، والطلاب الذين تخرّجوا على يديه، صدقةً جاريةً له إلى يوم الدين.

🤲 آمين يا رب العالمين.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
المصادر:
📚 قطرات من نبع الرواد — الأستاذة عائشة مالك.
📚 مقتطفات من مقالات شخصيات رفاعية — الأخ عبد الله السفاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى