مقالات وكتاب

بصراحة اقتصادية من واقع التجربة والممارسة | عبد المنعم التوم | السودان بلد القوى السياسية الهوائية!

صوت الشارع

مقالات وكتاب

بصراحة اقتصادية من واقع التجربة والممارسة | عبد المنعم التوم | السودان بلد القوى السياسية الهوائية!

في السودان، يبدو أننا وصلنا إلى مرحلة سياسية عجيبة جدًا؛ أصبح بإمكانك أن تستيقظ في الصباح، فتجد قوة سياسية جديدة قد ظهرت إلى الوجود، لها اسم طويل، وبيان أطول، وقيادات تتحدث في المنابر، ومواقف تُعلن على الملأ…

لكن هناك سؤال صغير ومزعج لا أحد يحب أن يسأله:

أين الجماهير؟!

وأين العضوية التي منحت هذه القيادة حق الحديث باسمها؟

وأين المؤتمر العام الذي انتخبها؟

وأين النظام الأساسي الذي يحكمها؟

وأين صناديق الاقتراع التي جاءت بها؟

وأين التفويض الشعبي الذي يجعلها تتحدث باسم السودان أو باسم قطاع معتبر من السودانيين؟

هنا تبدأ الحكاية الغريبة التي يمكن أن نسميها، بكل صراحة:

(القوى السياسية الهوائية)

قوى موجودة في الهواء، تظهر في الفضاء السياسي والإعلامي، ولكن عندما تبحث عن الأرض التي تقف عليها… لا تجد إلا الهواء!

الديمقراطية ليست ميكروفونًا!

الديمقراطية ليست أن يظهر شخص أمام الكاميرات فيتحدث بثقة عالية، ثم يتبعه آخر فيصدر بيانًا، ثم يظهر ثالث فيعلن أنه يمثل قطاعًا واسعًا من الشعب السوداني.

الديمقراطية ليست ميكروفونًا.

وليست مؤتمرًا صحفيًا.

وليست عددًا من المقابلات التلفزيونية.

وليست عددًا من البيانات التي تُرسل إلى الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي.

الديمقراطية لها جذور.

والجذر الأول هو المواطن.

ثم العضوية.

ثم التنظيم.

ثم المؤتمر.

ثم الانتخابات.

ثم القيادة المنتخبة.

ثم التفويض.

ثم يأتي بعد ذلك الحديث عن الوزن السياسي.

أما أن نبدأ من القيادة ونبحث عن القاعدة بعد ذلك، فهذه ليست ديمقراطية، وإنما هندسة عكسية للشرعية!

قبل أن نسأل: من يمثل السودان؟ اسألوا: من انتخبه؟

المؤسف أن جزءًا من المشهد السياسي السوداني أصبح يتعامل مع التمثيل السياسي وكأنه بطاقة شخصية يحملها الشخص في جيبه.

يقول: أنا أمثل كذا!

فنقول له:

ومن فوضك؟

يقول: نحن قوة سياسية!

نسأل:

أين الحزب؟ وأين العضوية؟ وأين المؤتمر؟

يقول: لدينا قواعد جماهيرية!

نسأل:

أين هي؟

وهنا يبدأ الصمت…

ثم يظهر بيان جديد!

وهكذا ندخل في الحلقة المفرغة نفسها.

والأغرب أن بعض هذه القوى قد تجد طريقها إلى طاولات الحوار الوطني، وكأن مجرد امتلاك اسم سياسي يكفي لإثبات امتلاك قاعدة سياسية.

وهذا هو الخطر الحقيقي.

فالحوار الوطني ليس معرضًا للمسميات السياسية.

ولا ينبغي أن يكون مسرحًا لعرض الأسماء والشخصيات.

الحوار الوطني ينبغي أن يجلس حوله من يملك تفويضًا يمكن إثباته، لا مجرد صوت يمكن سماعه.

الحكومة الانتقالية مطالبة بتنظيم البيت السياسي

بدل أن تنفق الحكومة الانتقالية جهودها في دعوة هذا وذاك إلى الحوار، ثم البحث عن صيغة ترضي الجميع، ربما يكون الأجدى أن تبدأ من السؤال الأساسي:

هل لدينا أصلًا أحزاب سياسية منظمة ومؤسساتها تعمل بصورة ديمقراطية؟

فالمطلوب ليس اختراع قوى سياسية جديدة، وإنما تنظيم الحياة السياسية القائمة.

تطبيق قانون الأحزاب.

تسجيل العضوية.

معرفة الهياكل.

إلزام الأحزاب بعقد مؤتمراتها العامة.

انتخاب القيادات بصورة ديمقراطية.

إقرار الأنظمة الأساسية.

إعلان مصادر التمويل.

وضع قواعد واضحة للتمثيل السياسي.

وعندما يكتمل ذلك، يستطيع كل حزب أن يأتي إلى الساحة ويقول:

هذه عضويتي.

وهذا مؤتمري.

وهذه قيادتي المنتخبة.

وهذا برنامجي.

وهذا التفويض الذي أحمله.

هنا فقط تبدأ السياسة الحقيقية.

لا تجعلوا الإعلام يصنع لنا جماهير من الورق!

المشكلة أن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت في بعض الأحيان قادرة على إعطاء مجموعة صغيرة حجمًا سياسيًا يبدو أكبر بكثير من حجمها الحقيقي.

فإذا تكرر اسم المجموعة في الأخبار، أصبح لها وزن.

وإذا ظهر قادتها كثيرًا على الشاشات، أصبحوا في نظر البعض (قيادات جماهيرية).

وإذا أصدرت بيانات متتالية، أصبحنا أمام (قوة سياسية).

وهنا نقول:

بالله عليكم… هل أصبحت الجماهير تُقاس بعدد البيانات؟!

إذا كان الأمر كذلك، فالأحزاب التي تطبع أكبر عدد من البيانات هي أحق بالحكم!

وإذا كانت الجماهير تُقاس بعدد ساعات الظهور في الفضائيات، فلنترك صناديق الاقتراع ونستبدلها بأجهزة التلفزيون!

وإذا كان التفويض الشعبي يأتي من وسائل التواصل الاجتماعي، فربما نحتاج إلى لجنة عليا لعدّ الإعجابات وإعادة النشر بدلًا من صناديق الاقتراع!

هذه هي السخرية التي ينبغي أن ننتبه إليها.

الجماهير ليست هاشتاقًا.

والتفويض الشعبي ليس عددًا من المتابعين.

والحزب السياسي ليس صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي.

من (تقدم) إلى (صمود)… والقائمة قابلة للزيادة!

كل فترة تظهر لنا مسميات جديدة، وتجمعات جديدة، وتحالفات جديدة، وأسماء جديدة.

قد يكون لبعضها حضور حقيقي، وقد يكون لبعضها عضوية وقواعد، وقد يكون بعضها مجرد تحالف سياسي مؤقت.

ولا مشكلة في تعدد المسميات من حيث المبدأ.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الاسم إلى بديل عن القاعدة، والشخص إلى بديل عن المؤسسة، والبيان إلى بديل عن المؤتمر العام.

نحن لا نعترض على (قحاطة)ولا (تقدم) ولا (صمود) ولا غيرها باعتبارها أسماء أو مسميات سياسية.

نحن نسأل فقط:

أيًا كان الاسم… أين القاعدة التي يستند إليها؟

وهذا السؤال يجب أن يُطرح على الجميع بلا استثناء.

فالقاعدة التي نطالب بها يجب أن تكون واحدة على الجميع:

لا أحد فوق القانون، ولا أحد أكبر من صندوق الاقتراع، ولا أحد يملك تفويضًا شعبيًا بالادعاء.

السودان لا يحتاج إلى مزيد من (القيادات) بقدر حاجته إلى قواعد

المشكلة ليست في نقص السياسيين في السودان.

لدينا سياسيون كثيرون.

ولدينا قيادات كثيرة.

ولدينا متحدثون كثيرون.

ولدينا بيانات كثيرة.

ولدينا مبادرات كثيرة.

ولدينا مؤتمرات كثيرة.

لكن ما ينقصنا هو السؤال البسيط:

أين القواعد؟

نحتاج إلى أن نعرف عدد أعضاء الحزب، لا عدد الذين يتحدثون باسمه.

نحتاج إلى معرفة من انتخب القيادة، لا من يقدّمها للإعلام.

نحتاج إلى معرفة النظام الأساسي، لا عدد الصفحات التي تملأها البيانات.

نحتاج إلى معرفة التفويض الشعبي، لا قوة الصوت.

فالديمقراطية ليست أن يكون لدينا ألف قائد.

الديمقراطية أن يكون لدينا مواطنون يختارون قائدًا.

رسالة إلى القائمين على الأمر

لذلك، فإن رسالتنا إلى القائمين على الأمر ليست دعوة لإقصاء أحد، ولا لإغلاق المجال السياسي، ولا لمصادرة حق أي سوداني في التنظيم والتعبير.

بل العكس تمامًا.

نحن نريد سياسة أكثر حرية، ولكن أكثر تنظيمًا.

نريد قانونًا واضحًا للأحزاب.

نريد سجلًا واضحًا للعضوية.

نريد مؤتمرات عامة حقيقية.

نريد قيادات منتخبة.

نريد نظمًا أساسية معلنة.

نريد تمويلًا معلومًا وشفافًا.

نريد قواعد واضحة لمن يمثل من في أي حوار وطني.

ومن لا يريد أن يكون حزبًا، فليكن تجمعًا أو مبادرة أو تيارًا مدنيًا، وليتحدث باسمه الحقيقي.

أما أن يتحول كل تجمع إلى (قوة سياسية)، وكل شخصية إلى (قيادة جماهيرية)، وكل بيان إلى (موقف شعبي)، فهنا يجب أن نتوقف قليلًا.

فالشعب السوداني ليس شركة مساهمة مفتوحة، ومن حق أي شخص أن يدّعي أنه يمتلك أسهمًا فيها!

كفى سياسة بلا قواعد!

السودان يحتاج اليوم إلى أن ينتقل من سياسة الأشخاص إلى سياسة المؤسسات.

من سياسة البيانات إلى سياسة البرامج.

من شرعية المنابر إلى شرعية الصناديق.

من (أنا أمثل الشعب) هل (الشعب انتخبني)؟! .

ومن (نحن قوة سياسية …!!) هذا عرضنا … (هذه عضويتنا، وهذا مؤتمرنا، وهذه قيادتنا، وهذا تفويضنا).

وهذا ليس ترفًا سياسيًا.

إنه أساس أي محاولة جادة لبناء دولة ديمقراطية تستطيع أن تتحدث إلى الداخل والخارج بثقة، لأن من يتحدث باسمها يحمل تفويضًا حقيقيًا، لا تفويضًا منحه لنفسه.

وأخيرًا… لنكن صريحين!

إذا أردنا ديمقراطية حقيقية، فلنبدأ من أبسط قواعد الديمقراطية.

دعوا الأحزاب تنظم صفوفها.

دعوا العضوية تختار.

دعوا المؤتمرات تنعقد.

دعوا الصناديق تتحدث.

دعوا القيادة تأتي من القاعدة إلى القمة، لا من القمة إلى القاعدة. !!

وعندها، عندما يجلس السياسي السوداني أمام السودانيين أو أمام العالم، لن يحتاج إلى أن يقول:

(أنا أمثل الشعب).

لأن الشعب سيكون قد قال ذلك قبله.

أما الآن، فإذا استمررنا في صناعة القيادات السياسية من البيانات والمؤتمرات الصحفية وشاشات الفضائيات، فقد نضطر قريبًا إلى إنشاء (بنك السودان للقوى السياسية)، نفتح فيه حسابًا لكل قوة سياسية، ونطلب منها عند فتح الحساب إيداع شيء بسيط جدًا:

شيئًا من العضوية… أو قليلًا من التفويض!

فإن لم تجد ما تودعه، فلا بأس…

يكفي أن تترك لنا عنوانها، وسنرسل إليها الهواء بالبريد!

هذه هي الحكاية بكل بساطة:

لا ديمقراطية بلا قواعد،

ولا تفويض بلا ناخبين،

ولا حزب بلا عضوية،

ولا قيادة بلا انتخابات.

وإذا لم نفعل ذلك، فليكن واضحًا أننا لا نبني حياة سياسية ديمقراطية…

بل نبني جمهورية سياسية معلّقة في الهواء!

وهنا نقولها، بصراحة اقتصادية،

ومن واقع التجربة والممارسة:

في السياسة أيضًا… لا قيمة لورقة بلا رصيد!

تقديم /

عبدالمنعم على التوم

26 سبتمبر 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى