دكينيات | دكتور : عصام دكين | قراءة أولى للفترة الانتقالية حكومة قوى إعلان الحرية والتغيير اليسارية العلمانية.

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكينيات | دكتور : عصام دكين | قراءة أولى للفترة الانتقالية حكومة قوى إعلان الحرية والتغيير اليسارية العلمانية.
(عدم وجود الخطط والبرامج لما بعد السقوط)
دكينيات(1879)2026/8/15م
دكتور عصام دكين.
* بعد سقوط نظام الإنقاذ وتكوين حكومة الفترة الانتقالية من قوى إعلان الحرية والتغيير هو تحالف من اليسار العلماني اتسمت الفترة الانتقالية بسمات سالبة نتيجة لعدم وجود الخطط والبرامج لما بعد السقوط.
* انتشار حالة من السيولة الأمنية غير مسبوقة في السودان.
* عدم اليقين بين أفراد الشعب السوداني من حكومة الفترة الانتقالية وأن هولاء الذين ظهروا هم غرباء على الشعب السوداني ومن أين أتى هولاء.
* اقتصرت المشاركة في حكومة الفترة الانتقاليه في الفترة الأولى فقط على اليسار العلماني وتجمع الاتحادي الديمقراطي الشيوعى. ومن ثم مشاركة حزب الأمة القومي والحركات المسلحة والمؤتمر السوداني.
* تفجرت الصراعات بين قوى اليسار الحاكم وقوى اليمين خارج الحكم كما سماه دكتور تجاني عبدالقادر الثنائية المتضادة.
* تفجر الصراعات الإقتصادية بيت قوى إعلان الحرية والتغيير اليسارية الإشتراكية وبين الاقتصاديين النيوليبرالية الذين نصبوا حكام بشكل مفاجئ على الثورة والشعب السوداني.
* تفجير صراعات بين مكونات الشعب السوداني بعضها إنشاء مسارات تطورت إلى المناداة بدولة النهر و البحر.
* حدث تغيير كبير في التحالفات السياسية المعارضة لنظام الإنقاذ الذي كان جزء منها في ميدان التغيير وأصبحت الآن منقسمة وصفها التوم هجو عضو مجلس الشركاء باختطاف الحكومة الانتقالية حزب المؤتمر السوداني وحزب البعث جناح السنهوري وجزء من حزب الأمة القومي وتجمع الاتحادي فهى تحالفات نتجت بعد الفترة الانتقالية الثانية وأصبحت هنالك قوى صنعت الثورة معارضة في الميدان.
*انهارت تحالفات قوى إعلان الحرية والتغيير ونشأت تحالفات سياسية جديدة ومتغيرة.
*سعت قوى اليسار العلماني لتحسين أوضاعهم وزيادة نفوذهم وتأثيرهم.
* تصاعدت مطالبات غريبة على الشعب السوداني حقوق المرأة حقوق المثليين والمصادقة على سيداو.
* تفجير الصراعات القبيلة والإثنية والقومية والدينية في السودان بشكل عنيف للغاية.
ظهور الفجوة بين الآمال والتوقعات التي وعدت بها قوى إعلان الحرية والتغيير من ناحية والواقع البائس وصلة مرحلة المجاعة والندرة والغلاء الغير مسبوق في تاريخ السودان والممارسة من ناحية.
* بعد سقوط الإنقاذ تصاعدت ثورة التوقعات ونشأت آمال عريضة في تحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين وإمكانية انجاز ذلك بسرعه من قبل قوى إعلان الحرية والتغيير وهى تنمى هذه الآمال والتوقعات لكسب التأييد والتأكيد لشرعية الثورة دون التركيز إلى أن عدم تحقيق هذه الآمال في وقت مناسب سوف يؤدى إلى نمو مشاعر سلبية لدى غالبية الشعب السوداني اتجاه التغيير الذي حدث والآن الشعب وصل إلى قناعة أن هذه الحكومه الانتقاليه واليسار العلماني فاشلون تماما ويبحث الشعب السوداني عن المخرج.
* في ظل الاضطراب والارتباك وأيام الهياج الثوري ووضع الآمال والتوقعات بأن السودان مقبل على انفتاح سياسي واقتصادي ودعومات ومانحين من الخارج وأموال وجدت في حوزة قادة الإنقاذ تقدر ب٦٤ مليار دولار وثروات كبيرة سوف تجعل السودان جنة في زمن وجيز كلها ذهبت أدراج الرياح ولم يتحقق حتى الآن شىء من هذه الوعود الكاذبة.
بعد عامين من الثورة أصبح الزمن من الموارد الشحيحة لم تعبر ولم تنتصر الثورة. وظل حمدوك غارق في الوحل ويخرج كل فترة ويقول لقد ورثنا تركة ثقيلة ولا يدري أنه أصبح شخصية ثقيلة على الشعب السوداني وأصبح الشعب السوداني لا يريد سماعه ولا يطيق اسمه وشكله وصوته .
* تحت ضغوط الرغبة في التغيير السريع والقضاء على الإسلاميين صدرت قرارات متسرعة وصبيانية وطائشة من لجنة إزالة التمكين ومن المجلس العسكري ومجلس السيادة والوزراء آنذاك قرارات خاطئة ترتبت عليها نتائج خاطئة لم يسبقها التخطيط والاستعداد لها في مجالات الكهرباء والبترول والحياة ومعاش الناس والصحة والتعليم والأجهزة الأمنية وغيرها من المجالات التي شهدت أخطاء كارثية أدت إلى تدني الخدمات عامة بل انعدمت تماما وأصبح زمن الإنقاذ رفاهية وحلم إذا عمل الشعب ليل نهار لمدة الف عام لن نعود لتلك الخدمات التي قدمتها الإنقاذ للشعب السوداني.
* في ظل حكومة الفترة الانتقالية بقيادة حمدوك صعدت قوى سياسية وتراجعت قوى سياسية أخرى وتراجع دور بعض القوى السياسية التي برزت في مرحلة إسقاط نظام الإنقاذ لمصلحة قوى اليسار العلماني ذات القلة السياسية لأنها أكثر تنظيما وخبرة في سرقه المشهد السياسي، الشيوعيون والبعثيين و الناصريين و الجمهوريين والمؤتمر السوداني الذين ظلوا طوال فترة الديمقراطيات لم يفوزوا بدوائر انتخابية وذكر من هو وزير في حكومة الفترة الانتقالية (ان الانتخابات لن تأتي بنا لأنها تاتي بالقوة التقليدية) بل بعض أحزاب اليسار العلماني يريدون فترة انتقالية لمدة عشرة أعوام حتى يتمكنوا من مفاصل الدولة.
* ثم ظهور الحركات المسلحة الانتهازية المهزومة في كل معاركها امام القوات المسلحة وسميت (دلعا) حركات الكفاح المسلح. وهل الكفاح يكون بالسلاح إن الكفاح المعروف يتم بالجهد والمثابرة والمصابرة في ميادين العمل والعلم بل هى مجموعات متمردة على الدولة وأخرت التنمية في السودان وقتلت وشردت الكثيرين من أبناء الشعب السوداني وأصبح في كل بيت شهيد وجريح ومفقود اى كفاح يتحدثون عنه..
* ثم أبعدت قوى أخرى كانت مناهضة لنظام الإنقاذ بل زج بقاداتها في السجون.
* الخلاصة:.
كيف نبني السودان لكي يسع الجميع؟
السودان منذ استقلاله في يناير١٩٥٦م ظل بوضعه الذي تركه الاستعمار، بل الإدارات الوطنية التي جاءت بعد الاستعمار قامت فقط بتغييرات شكلية. ظلت الإدارة المركزية قائمة إلى يومنا هذا رغم تعدد أنظمة الحكم وتغيير في الجيش وظل البنك المركزي كما هو ونشأت بنوك أخرى ومؤسسات مالية تخدم النخب وظل المنهج التعليمي يعبر عن إنسان الوسط والخرطوم ملىء بثقافة المركز، وتحولت المؤسسات من أداة لخدمة المستعمر إلى أداة لخدمة نخب صغيرة متمركزة في الخرطوم والوسط والشمال. هذه النخبة بنت ثروتها ليس من الإنتاج بل من التحكم في الريع، قطن الجزيرة وصمغ كردفان ومواشي الأطراف والنفط فى كردفان وأعالى النيل سابقا والذهب في دارفور وفي مناطق عديدة في السودان كل ذلك كان يتجمع في المركز الخرطوم ليعاد توزيعه كامتيازات ورواتب ووظائف وبيوت فاخرة للنخب، بينما الأطراف التي تنتج هذه الثروة ظلت بلا مدارس وبلا طرق وبلا مستشفيات. هنا نشأ الانقسام الحقيقي بين مكونات الشعب السوداني وحملت الأطراف السلاح بحثا عن حقوقها.
الصراع ليس بين عرب وزرقة أو أفارقة أو مسلمين ومسيحيين كما صورته الدعاية التى انتجتها النخب الرسمية الفاشلة، بل بين مركز يكدس الثروة ويمتصها ويستمتع بها وهامش ينتج ويهمش أكثر فأكثر. هذا الطريقة هي التي فجرت الحرب مرة أولى ومرة ثانية وثالثة وأخيرا تفجر الصراع في قلب الخرطوم مركز السلطة والقرار السياسي والاقتصادي، وهو سبب كل الحروب في السودان من الشرق إلى دارفور وفي الجنوب سابقا والجنوب الحالي.
* المشكلة في بنية الدولة المركزية القديمة التي كانت تفرض هوية واحدة أحادية على مجتمع متعدد، وتستخدم الدين واللغة كأدوات لإقصاء الآخرين من عقد المواطنة وتبرير احتكارها للسلطة والثروة.
* حرب أبريل ٢٠٢٣م نشأت بسبب تمركز السلطة والثروة في الخرطوم رغم أن مليشيا الدعم السريع تدين بدين المركز وتتحدث لغة المركز ولها ثروة مالية ولكنها استخدمت في تفكيك واحتكار المركز لإعادة توزيع السلطة والثروة بشكل أفقي، بحيث تدار الموارد من حيث تنتج الهامش ويكون للمواطن في جبال النوبة أو البطانة أو دارفور وكردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض نفس امتيازات المواطن في الخرطوم.
* إذن لا بد من بناء اقتصاد منتج لا ريعي يصب في مصلحة النخب.
* إذن لا بد من نقل المدن إلى الريف(الخدمات) أي إلغاء تلك الهوة المصطنعة التي تجعل الخرطوم مضاءة ومكتظة بالخدمات بينما الريف مظلم ومهجور.
* إذن لا بد من علمانية الدولة وديمقراطيتها بمنتوج سوداني، ليس كعداء للدين، بل كشرط لتحريرها وميزة للدولة الحديثة في عالم اليوم فعندما تفرض الدولة دينا واحدا كقانون عام فهي عمليا تقول لجزء كبير من شعبها إنكم مواطنون ليس لكم حقوق دينية غير أن تدخلوا فى دين الإسلام ويظلوا مواطنين من الدرجة الثالثة، وبالتالي تسحب عنهم حقوقهم في الثروة والسلطة.
* إذن لا بد من بناء هوية سودانوية تتجاوز القبلية، هوية قائمة على المصلحة المشتركة جميعاً.
* أن الدولة التي تبنى على إقصاء الآخر وهو أصيل في السودان لا يمكن أن تستقر، مهما بلغت قوتها العسكرية والأمنية أو دعمها الخارجي، وبالتالي تخلق أعدائها في الداخل.
* إن استغلال الموارد الطبيعية وحدها لا تبني السودان من النفط والذهب يمكن أن تبني مدارس ومستشفيات ومصانع إذا تحول إلى استثمار منتج، ويمكن أن تبني قصوراً وجيوشاً خاصة ويمول بها حروباً أهلية إذا بقي ريعاً يتصارع عليه قلة من النخب والعسكريين ولكن يجب أن يوجه العائد فى الاقتصاد الأخضر المستدام.
* السؤال: كيف نبني دولة سودانية تسع الجميع؟ ليس بالشعارات بل بتوزيع عادل لما ننتجه من ثروة وما نملكه؟ الإجابة على هذا السؤال لا تزال هي المفتاح الوحيد لوقف هذه الحروب المستمرة في السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم!
* السودان بلد كبير مترامي الأطراف متعدد الديانات والمعتقدات والثقافات واللغات والاثنيات والعرقيات يحتاج لإدارة حكيمة تحقق العدالة والمساواة للشعب السوداني وهى جزء من الدين أو دين من دين وليس الدين كله نحن في حوجة ماسة لمشروع وطني يتفق فيه العلمانيين والاسلاميين واليساريين والقوميين الأفارقة واللا دينين وكل مكونات الشعب السوداني وماينتج من ذلك المشروع فلنسميه علمانية سودانية Secularism Made in Sudan دون حساسية مع مصطلح علمانية أو إسلامية. فالإسلام أشمل وأوسع من أى منتوج بشري المهم الاستقرار وإيقاف الحرب.
—————————————
سلسلة دكينيات تقدم رؤية تحليلة ونقدية وقراءة منظور الكاتب تعبر عن رأيه.



