مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | الشباب السوداني بعد الحرب: من جيل الانتظار إلى جيل بناء الدولة

صوت الشارع

مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | الشباب السوداني بعد الحرب: من جيل الانتظار إلى جيل بناء الدولة

الحرب لا تنتهي عندما تصمت البنادق فقط.

الحرب تنتهي عندما يستطيع المواطن أن يعود إلى بيته، ويجد مدرسة لأطفاله، ومستشفى يعالجهم، وسوقًا يعمل، وفرصة عمل تحفظ كرامته، ودولة يشعر أنها موجودة من أجله لا فوقه.

ومن هنا تبدأ المعركة الأصعب في السودان: معركة ما بعد الحرب.

وفي قلب هذه المعركة يقف الشباب.

لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا سنفعل للشباب بعد الحرب؟

السؤال الأكثر جرأة هو:

ماذا سيفعل الشباب بالسودان بعد الحرب؟

لأن اختزال الشباب في برامج الإعانة، أو الدورات التدريبية، أو الوظائف الحكومية، هو استمرار لعقلية قديمة لا تصلح لمرحلة استثنائية.

السودان الذي سيخرج من الحرب لن يحتاج إلى جيل ينتظر من يعيد بناءه.

سيحتاج إلى جيل يعيد بناءه بنفسه.

لا نريد إعادة إنتاج السودان القديم

أخطر خطأ يمكن أن يقع فيه السودان هو أن ينفق مليارات الدولارات لإعادة بناء الطرق والمباني والمؤسسات، ثم يعيد تشغيل العقلية نفسها التي أوصلت البلاد إلى أزماتها.

إعادة الإعمار ليست عملية هندسية فقط.

إنها عملية سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية.

وإذا كانت الحرب قد كشفت هشاشة مؤسسات الدولة، وضعف الاقتصاد، والبطالة، والتفاوت التنموي، والانقسام الاجتماعي، فإن مرحلة ما بعد الحرب يجب أن تكون فرصة لإعادة تأسيس السودان على قواعد مختلفة.

وهنا يصبح الشباب عنصرًا استراتيجيًا لا مجرد فئة عمرية.

الشباب يجب أن يكونوا جزءًا من إعادة تصميم السودان، لا مجرد أيدٍ عاملة في إعادة بنائه.

الشباب ليسوا عمالة رخيصة لإعادة الإعمار

هناك خطر حقيقي من أن تنظر بعض الجهات إلى الشباب باعتبارهم قوة عمل ضخمة يمكن استخدامها في مشاريع الإعمار بأجور منخفضة.

هذا ليس تمكينًا.

الإعمار الحقيقي يجب أن يبني رأس المال البشري بالتوازي مع بناء الطرق والمدارس والمستشفيات.

الشاب الذي يعمل في مشروع إعادة تأهيل مدرسة يجب أن يخرج منه بمهارة وخبرة وشهادة مهنية وربما شركة مستقبلية.

والشاب الذي يعمل في مشروع زراعي يجب ألا يبقى عاملًا موسميًا؛ بل يجب أن يمتلك القدرة على الانتقال من الإنتاج إلى التصنيع والتسويق والتصدير.

والشاب الذي يدخل مشروعًا تقنيًا يجب أن يكون قادرًا على تأسيس منتج سوداني ينافس خارج الحدود.

الهدف ليس تشغيل الشباب مؤقتًا؛ الهدف تحويلهم إلى قوة إنتاج دائمة.

وتشير خبرات التنمية الحديثة إلى أن برامج تشغيل الشباب تكون أكثر فاعلية عندما ترتبط المهارات باحتياجات سوق العمل ومسارات حقيقية إلى الوظائف والدخل، لا بمجرد التدريب النظري.

المعركة الاقتصادية تبدأ من الشباب

السودان بعد الحرب سيحتاج إلى اقتصاد ينتج أكثر مما يستهلك.

وهذا يعني أن الوظيفة الحكومية لا يمكن أن تكون الحل.

بل إن الإصرار على أن الدولة هي رب العمل الأكبر قد يعيد إنتاج الأزمة الاقتصادية نفسها.

الحل هو بناء اقتصاد يقوده القطاع الخاص، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتعاونيات، والزراعة الحديثة، والصناعات التحويلية، والتكنولوجيا.

وهنا يجب أن يتحول الشاب السوداني من طالب وظيفة إلى صانع قيمة.

لكن لا يمكن أن نطلب من الشباب ريادة الأعمال ثم نتركهم أمام البنوك المغلقة، والتمويل المكلف، والأسواق المضطربة، والبيروقراطية، وضعف البنية التحتية.

إذا أرادت الدولة شبابًا منتجين، فعليها أن توفر لهم:

تمويلًا + تدريبًا + سوقًا + بنية تحتية + تشريعات عادلة + حماية قانونية.

وإلا أصبح الحديث عن ريادة الأعمال مجرد شعار جميل.

الزراعة: أكبر فرصة ضائعة

السودان يمتلك واحدة من أهم فرصه في الزراعة.

لكن المشكلة أن التعامل مع الزراعة ما زال في كثير من الأحيان محصورًا في فكرة “المزارع”.

المستقبل يحتاج إلى منظومة زراعية كاملة.

شاب يزرع.

وشاب يدير الري.

وشاب يطور تطبيقًا زراعيًا.

وشاب يعمل في التصنيع الغذائي.

وشاب يدير النقل والتخزين.

وشاب يعمل في التسويق.

وشاب يدخل مجال التصدير.

هكذا تتحول الزراعة من نشاط تقليدي إلى سلسلة قيمة اقتصادية.

وهنا يمكن للشباب أن يكونوا الجسر بين الأرض السودانية والتكنولوجيا والأسواق العالمية.

لا إعمار من دون ثورة في التعليم

لن تستطيع دولة أن تبني اقتصادًا جديدًا بعقلية تعليمية قديمة.

مرحلة ما بعد الحرب يجب أن تكون لحظة مراجعة شاملة للتعليم السوداني.

نحتاج إلى تعليم ينتج:

المهندس الذي يحل المشكلة.

والطبيب الذي يفهم احتياجات المجتمع.

والمعلم الذي يصنع التفكير.

والفني الذي يستطيع تشغيل التكنولوجيا.

والمبرمج الذي ينتج حلولًا سودانية.

ورائد الأعمال الذي يستطيع خلق عشرات الوظائف.

والباحث الذي يحول المعرفة إلى إنتاج.

السودان لا يحتاج مزيدًا من الشهادات فقط؛ يحتاج مزيدًا من المهارات.

وهنا يجب أن يحصل التعليم الفني والتدريب المهني على مكانتهما الحقيقية.

فليس كل نجاح يبدأ من الجامعة.

بعض أعظم مشاريع الإعمار تبدأ من ورشة.

الشباب وإعادة بناء الدولة

هذه النقطة أكثر حساسية.

إذا كان الشباب بعيدين عن صناعة القرار، فإن الدولة ستعيد إنتاج نفسها بعيدًا عن المستقبل.

نحتاج إلى شباب في الإدارة المحلية.

في التخطيط.

في الاقتصاد.

في التحول الرقمي.

في المجالس البلدية والمحلية.

في المؤسسات الاقتصادية.

في الجامعات.

في مؤسسات المجتمع المدني.

وفي كل مكان تُصنع فيه السياسات العامة.

لكن المشاركة يجب ألا تكون مجرد صور ومؤتمرات.

لا نريد شبابًا للزينة السياسية.

نريد شبابًا لديهم صلاحيات ومسؤوليات ومحاسبة.

التمثيل الحقيقي للشباب لا يعني أن يجلس شاب في الصف الأول داخل مؤتمر.

يعني أن يكون قادرًا على التأثير في القرار الذي سيحدد مستقبل ملايين السودانيين.

أخطر ما بعد الحرب: الفراغ

الحرب خلقت أعدادًا كبيرة من الشباب الذين فقدوا التعليم أو العمل أو الاستقرار.

وهذا ليس تحديًا اقتصاديًا فقط.

إنه تحدٍ للأمن الوطني.

الشاب الذي لا يجد تعليمًا ولا عملًا ولا أفقًا قد يصبح عرضة للهجرة القسرية، أو الاستقطاب، أو الجريمة، أو الجماعات المسلحة، أو اليأس.

ولهذا فإن سياسة تشغيل الشباب يجب أن تكون جزءًا من استراتيجية الأمن والسلام الوطني.

ليس لأن الشباب خطر.

بل لأن تهميش قوة اجتماعية بهذا الحجم هو الذي يصنع الخطر.

الشباب والسلام: لا سلام مستدامًا من دونهم

السلام الذي يُكتب في قاعات التفاوض ثم لا يجد طريقه إلى القرى والأحياء والأسواق سيظل سلامًا هشًا.

الشباب موجودون في كل مجتمع سوداني تقريبًا، ولذلك يمكن أن يكونوا قوة ضخمة في المصالحات المحلية، والحوار المجتمعي، ومكافحة خطاب الكراهية، وإعادة بناء الثقة.

وهنا يجب أن تنتقل الدولة من التعامل مع الشباب باعتبارهم جمهورًا سياسيًا إلى اعتبارهم شركاء في صناعة السلام.

التجارب الحديثة في السودان أظهرت أن شبكات الشباب والمبادرات المحلية يمكن أن تلعب أدوارًا في بناء السلام وتعزيز التماسك المجتمعي، بالتوازي مع دعم مشاركة المجتمع المدني في آليات السلام والحوكمة.

التكنولوجيا ليست رفاهية

السودان الذي يعيد بناء مؤسساته اليوم لا ينبغي أن يعيد إنتاج الورق والبيروقراطية نفسها.

هذه فرصة للانتقال إلى:

الحكومة الإلكترونية.

المدفوعات الرقمية.

السجلات الرقمية.

التعليم الإلكتروني.

الصحة الرقمية.

الخرائط والبيانات الجغرافية.

الذكاء الاصطناعي.

الزراعة الذكية.

الطاقة المتجددة.

والخدمات الرقمية.

ومن يستطيع قيادة هذه القفزة؟

جيل الشباب.

ولهذا يجب ألا تكون التكنولوجيا مشروعًا منفصلًا عن إعادة الإعمار.

بل يجب أن تكون جزءًا من قلب المشروع.

المرأة الشابة جزء من المعادلة

وأي مشروع وطني يتحدث عن الشباب ثم يستبعد الشابات هو مشروع ناقص.

الشابات السودانيات تحملن أعباء هائلة خلال الحرب، وفي كثير من المجتمعات أصبحن جزءًا أساسيًا من الاقتصاد الأسري والمبادرات المجتمعية.

لذلك فإن إعادة الإعمار يجب أن تفتح أمامهن أبواب التمويل، والتعليم، وريادة الأعمال، والعمل، والقيادة المحلية والسياسية.

لا يمكن أن يبني السودان نصف شبابه ويترك النصف الآخر خارج المعادلة.

المطلوب: مشروع وطني للشباب

إذا كنا جادين فعلًا، فلا بد من الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى مشروع وطني متكامل للشباب بعد الحرب.

مشروع يقوم على خمسة مسارات:

أولًا: التشغيل والإنتاج

ربط الشباب بمشاريع الإعمار والزراعة والصناعة والخدمات.

ثانيًا: التمويل

إنشاء آليات تمويل ميسرة للمشروعات الشبابية، مع رقابة صارمة وشفافية.

ثالثًا: المهارات

إطلاق برنامج واسع للتدريب المهني والتقني والرقمي.

رابعًا: المشاركة في القرار

إدماج الشباب في الإدارة المحلية والتخطيط وصناعة السياسات.

خامسًا: السلام والتماسك الاجتماعي

بناء شبكات شبابية للمصالحة والحوار ومكافحة خطاب الكراهية.

وهذه ليست أفكارًا نظرية؛ فاستراتيجيات التعافي الحديثة تركز بصورة متزايدة على استعادة الأسواق وخلق فرص العمل وربط التعافي الاقتصادي ببناء السلام والمؤسسات.

لكن هناك سؤالًا يجب أن نطرحه بصراحة

ماذا لو انتهت الحرب ولم يتغير شيء؟

ماذا لو عاد الشباب إلى البطالة؟

ماذا لو عادت الدولة إلى المركزية نفسها؟

ماذا لو عاد الاقتصاد إلى الاعتماد على الاستيراد؟

ماذا لو عاد التعليم إلى الحفظ؟

ماذا لو عاد السياسيون إلى استخدام الشباب في المواسم الانتخابية فقط؟

عندها لن تكون المشكلة أن الحرب انتهت.

المشكلة أن أسباب الأزمة بقيت على قيد الحياة.

ولهذا فإن أخطر شيء يمكن أن يحدث بعد الحرب هو أن نعيد بناء السودان القديم بالحجارة الجديدة.

السودان لا يحتاج جيلًا ينتظر

السودان يحتاج إلى جيل يرفض أن يكون مجرد متلقٍ.

جيل يزرع.

يصنع.

يبتكر.

يدير.

يتعلم.

يبني.

ويراقب.

ويحاسب.

ويشارك في القرار.

الشباب يجب ألا يكونوا فقط وقود مرحلة ما بعد الحرب.

بل يجب أن يكونوا عقلها وطاقتها ومحركها.

وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة للدولة وللقوى السياسية وللمجتمع الدولي وللقطاع الخاص:

لا تبنوا السودان للشباب؛ ابنوه معهم.

فالفرق بين الاثنين هو الفرق بين مشروع مؤقت ومشروع مستدام.

الخاتمة: بعد الحرب يبدأ امتحان الشباب

لقد أخذت الحرب من السودان سنوات من عمره، وأخذت من الشباب فرصًا كثيرة، وأجبرت أجيالًا على النزوح والانقطاع عن التعليم والعمل.

لكن التاريخ لا يمنح الشعوب فرصًا كثيرة لإعادة كتابة نفسها.

ومرحلة ما بعد الحرب قد تكون واحدة من تلك الفرص.

إما أن يصبح الشباب مجرد رقم في تقارير المانحين، ومستفيدين من برامج مؤقتة، ووجوهًا في المؤتمرات.

أو يتحولوا إلى قوة اقتصادية واجتماعية وسياسية تقود السودان نحو المستقبل.

وهنا يجب أن نكون صريحين:

لن ينقذ السودان جيل ينتظر أن تنقذه الدولة.

ولن تنقذه دولة تنتظر أن يأتي الشباب ليحلوا كل شيء وحدهم.

النجاة في الشراكة.

دولة تفتح الأبواب.

قطاع خاص يستثمر.

جامعات تنتج المعرفة.

مجتمع يحمي تماسكه.

وشباب يمتلكون الجرأة على العمل والبناء والمساءلة.

إن مرحلة ما بعد الحرب ليست مجرد مرحلة لإعادة ما تهدم.

إنها فرصة لكي نسأل أنفسنا للمرة الأولى بجدية:

أي سودان نريد أن نبني؟ ومن سيبنيه؟

والإجابة يجب أن تكون واضحة:

السودان القادم لا ينبغي أن يُبنى بالشباب فقط، بل يجب أن يُبنى بقيادة الشباب وشراكتهم الكاملة.

لأن الشباب ليسوا مستقبل السودان فقط.

الشباب هم الحاضر الذي سيقرر إن كان السودان سيعيد إنتاج أزماته… أم سيصنع تاريخًا جديدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى