دكينيات | دكتور : عصام دكين | هل اقامت الحركة الإسلامية الدين والدولة في السودان(١٧)

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكينيات | دكتور : عصام دكين | هل اقامت الحركة الإسلامية الدين والدولة في السودان(١٧)
دكينيات(1890)14اغسطس2026م
دكتور عصام دكين.
* قضية الدين والدولة هى الفكرة المركزية لدى الحركة الإسلامية السودانية.
* الحركة الإسلامية السودانية أثارت قضية الدين والدولة قبل انقلاب مايو 1969م إلذى اطاح بثورة أكتوبر 1964م التى صنعتها الحركة الإسلامية السودانية وغناء لها الشيوعين واليسارين حيث ادخل نص الشريعة الإسلامية من ضمن مصادر التشريع في مسودة دستور السودان الدائم لسنة 1968م وهذه كانت نقطة تحول كبير في مسيرة وضع الدساتير المتعددة التى لم يستطيع تجاوزها هذا النص وهو ما آثار حفيظة قوى اليسار العلمانية وجعلها تكون جبهة عريضة لمناهضة الدستور الإسلامي الذى جأت به الحركة الإسلامية السودانية بقيادة الشيخ الدكتور حسن عبدالله الترابي مما جعل اليسار العلماني الشيوعي يدبر انقلاب مايو 1969م الذي جاء بشعارات شيوعية ارتبطت بالاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا.
* كان هنالك تحالف نشأ بين الحركة الإسلامية والانصار بقيادة الامام الشهيد الهادى المهدي مناهض لانقلاب مايو ١٩٦٩م ورافض للعلمانية و لشعارات الشيوعين الرافض الى اى وجود إسلامي رجعي وكانت الحركة الإسلامية بشيوخها الشهيد محمد صالح عمر والشهيد على طالب الله والشاب مهدى إبراهيم، الراحل الشيخ صادق عبدالله عبدالماجد، الشيخ الدكتور الحبر يوسف نورالدائم ، الشيخ الدكتور حسن الترابي، الأستاذ الشيخ ياسين عمر الامام والأنصار بقيادة الإمام الشهيد الهادي المهدي وقفوا في وجه المد الشيوعي اليسارى العلماني وكان شعارهم (لا سلام بلا إسلام) وكانت الاحداث في الجزيرة ابا و ودنوباوى واحداث 1976م، هذه رواية من احد اهلنا الأنصار الذين شاركوا فى حرب الجزيرة ابا رحمة الله عليه.
* كانت المفاجأة ان الرئيس جعفر نميري انقلب على الشيوعين واليسار عامة (ارتكبت فيهم مجازر) واصبحت له علاقات بالولايات المتحدة الأمريكية واروبا (المعسكر الغربي) في العلاقات الخارجية والسياسة الدولية.
* المفاجأة الكبرى للشيوعين واليسارين عامة ان جعفر نميري اصبح كوز وتبنى الشريعة الإسلامية اى قوانين سبتمبر 1983م وعقدة صلح مع كل القوى اليمنية والإسلامية ما عداء الامام العلماني الصادق المهدي الذى وقف ضد الشريعة الإسلامية ووصف قوانين سبتمبر 1983م لا تساوي الحبر الذي كتبت به.
* قال نميري ذات مرة انا حب الأنصار واكره الصادق المهدي واحب الترابي واكره الاخوان المسلمين. لذلك الشيخ الدكتور حسن عبدالله الترابي هو مهندس قوانين سبتمبر 1983م الشريعة الإسلامية.
* عندما اصبح الجو العام في السودان جوا اسلاميا لجاء حزب الامة الى البرامج الإسلامية بقيادة الأمام العلماني الصادق المهدي في الديمقراطية الثالثة خاض حزب الأمة الانتخابات ببرنامج “الصحوة الإسلامية لان الحركة الإسلامية السودانية اقتحمت معاقلة واصبح الكثير من ابناء الانصار أعضاء فاعلين في الحركة الإسلامية واصبح الامام العلماني الصادق المهدى ينادي بالتأصيل وجدلية الأصل والعصر والاسلام العصري لكى يؤثر ويملا الفراغ الديني الذى تركة الامام الشهيد الهادى المهدي. كل ذلك محاولة من الامام العلماني الغاء قوانين سبتمبر التى اصبحت راسخه وتقبلها الشعب السوداني واصبح الامام العلماني الصادق المهدي يقول دائما إنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به لكى يقلل منها، ولكن تعذر عليه إلغاؤها لأن الحركة الإسلامية السودانية بقيادة الدكتور حسن عبدالله ابرمت اتفاق بين الجبهة الإسلامية القومية والاتحادي الديمقراطي، كانت من ضمن بنود: ٢/ لا لإلغاء قوانين سبتمبر
٢/ لا لإعلان كوكادام.
٣/ ولا لمحاكمة سدنة مايو.
* و الحزب الاتحادي الديمقراطي والجبهة الإسلامية القومية هما من أكبر الحزبين أو الكتلتين داخل الجمعية التاسيسية (البرلمان) حيث كان حزب الأمة الحزب الأكبر.
* لذلك فشل الامام العلماني الصادق المهدي في الغاء الشريعة الإسلامية.
* قام الامام العلماني بنظرية الاصل والعصر والتشريع والتاصيل الإسلامي مقتصرا على المسلمين كمحاولة منه لكسب ود العالم العلماني وكسب اليسار العلماني والحركة الشعبية لتحرير السودان. لكى تتبنى الدولة حقوق المواطنة ويعلن لدولة علمانية في السودان لاحقا ففشل. لذلك دعا الامام العلماني الصادق المهدى بعد فشلة في الغاء الشريعة الإسلامية دعاء لنقاش قضية الدين والدولة في المؤتمر القومي الدستوري الذي حدد له سبتمبر 1989م. ولكن العميد الركن عمر حسن احمد البشير قام بانقلاب ٣٠ يونيو 1989م.
* كانت الجبهة الإسلامية لها اجندة في الموتمر الدستوري الذى سينعقد في سبتمبر ١٩٨٩م.
* حزب الجبهة الإسلامية القومية بعد الانقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩م ظل يراقب الاحداث وصمت عن هويته الإسلامية لاكثر من عاماً ونصف لأن الانقلاب كان مجهول الهوية الفكرية والتنظيمية لكل العالم بما فيهم المصرين. ولكنى اكتشفت هويته عندما جاء أخى الشهيد جمال دكين وهو طالب في جامعة القاهره فرع الخرطوم وقال الى والدة وناس البيت بأنه سيدخل الجيش سلاح المدرعات الشجرة استنكرنا ذلك انه طالب جامعي كيف يصبح عسكري في الجيش وفعلا في ٣٠ أغسطس ١٩٨٩م دخل الشهيد جمال دكين الجيش وتخرج جندي كان يحمل حقيبة بها كاكى ملابس عسكرية ومعه آخرين من جامعات اخرى في الكتيبه 411 كنت اقراء رسائل خطية تأتى اليه من إخوانه الطلاب والعساكر في جامعة القاهرة فرع الخرطوم من الاستوائية يسألون فيها عن الأحوال وتاريخ إنعقاد الامتحانات والذين استشهدوا أمثال الطالب الفاتح عمر حسين، الطالب ياسر كرم الله والمعارك التى خاضوها ومازالت احتفظ بتلك الرسائل فكان الشهيد جمال دكين يقول لي الكلام البتقراء فيه دا والبتسمع فيه من هولاء الاخوان الطلاب والعساكر عندما يأتوا إلينا فى البيت واكون في خدمتهم اذا طلع (بقطعوا رقبتك) لذلك كنت أعلم من منذ ٣٠ أغسطس 1989م أن الشباب الذين شاهدتهم فى ندوات 1987م هم شباب الاتجاه الإسلامي والحركة الإسلامية
* كانت الحركة الإسلامية دولة ودين ارتبطت التجربة بأوجه عديدة وجه اجتماعي كدولة مسؤلة من الرعاية الاجتماعية واستقرار المواطنين واستقرار السلع وكانت الهجّرة الى العاصمة مستمرة بسبب الحرب والفقر وموجة الجفاف والتصحر التى لم تعالجها حكومة الصادق المهدي ووجها السياسي لحشد الشعب السوداني لتأيد البشير ومواجهة الحرب في جنوب السودان وبداء شباب الاسلامين الانخراط في العلمليات العسكرية في جنوب السودان فوجد جيلنا امامة حركة إسلامية ودولة وزحمة عمل سياسي وديني واجتماعي ونحن صغار سن فنشاءنا فى ذلك الجو حزب وحركة وحكومة.
* بينما نحن طلاب في الجامعات تطلب مننا الحركة الإسلامية قطاع الطلاب ان نحتشد لامرا هام جامع في مسجد النيلين بام درمان عام ١٩٩٨م فكان ميلاد حزب المؤتمر الوطني وكان الشيخ الراحل الدكتور المعتصم عبدالرحيم هو الذى خاطب قطاع الطلاب وان الحركة الإسلامية ستأسس لحزب باسم المؤتمر الوطني ويتيح التعددية الحزبية وفق دستور 1998م الذي نص على أن الحاكمية لله لكى تكون الشريعة الإسلامية حاضرة في الحكم.
* استغل العلمانين واليسارين تعبير الحاكمية لله في الدستور بأن نظام الانقاذ نظام دينى يريد قهر معارضيه من الشيوعين والعلمانين واليسارين لانهم رافضين للشريعة الإسلامية.
* دعوة الحركة الإسلامية السودانية الى الموتمر الشعبي العربي الإسلامي الذى ضم قادة العمل الإسلامي في العالم والمعارضين لانظمتهم الحاكمة استغلة ايضا اليسار العلماني ووصف نظام الانقاذ بالارهابى ورعاية الارهاب في العالم. مع وجود حرب في جنوب السودان اخذت الصبغة والشعارات الدينية وجعلت مجلس الكنائيس يرعى الحركة الشعبية لتحرير السودان ويدعمها ويسخر لها دول الجوار وصعد من قضايا نسمع بها لاول مرة بالانتهاكات وجرائم الحرب والإبادة في جنوب السودان واصبح السودان تحت المجهر العالمي حتى تم ضربه بغارات جوية في عهد الرئيس الامريكي بيل كلينتون وصدر في حق السودان 62 قرار من مجلس ألامن الدولي في حق السودان وصلت حتى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
* لم تتوقف مسيرة الحركة الإسلامية في تأسيس الدين والدولة فصدر القانون الجنائي لسنة 1991م. وعدل عدة مرات للتصحيح والتجويد وفق الممارسة الفعلية والشريعة الإسلامية.
* صدر قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 1991م، وعدل عدت مرات حتى عام في 2003م وفق الشريعة الإسلامية.
* صدر قانون بنك السودان لسنة 2002م، أقاما تجربة المصرفية الإسلامية الجيدة ومازالت مستمرة.
* صدر قانون الزكاة سنة 1990م، تم تعديله في 2001م. جعل الزكاة واجب على المسلمين وفق شروطها الشرعية.
* صدر قانون الأحوال الشخصية للمسلمين سنة 1991م، وفق الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان، برؤية قابل للتطور تتناسب مع العصر.
* كما صدر قانون النظام العام فى كل ولائية وكان في ولاية الخرطوم لسنة 1996م وفي القضارف لسنة 2007م……الخ كل ولاية حسب وضعها الخصوصي وفق الشريعة الإسلامية.
* صدر قانون الثراء الحرام والمشبوه.
* اليسار العلماني الكاره للوجود الإسلامي والشريعة الإسلامية ظل يتربص ويلتقط الهفوات في التطبيق وربطها بالارهاب والدولة السلطوية ورفضه لكل الشعار الإسلامي كليا فنادوا بتكوين اكبر تجمع علماني فى أرتريا التجمع الوطني الديمقراطي عام 1995م ونصه في بنودة علمانية الدولة السودانية وان لا يقوم حزب على اساس ديني.
* الخلاصة هى حصيلة تجربتي واطلاعي على الأزمة السودانية:.
كيف نبني السودان لكي يسع الجميع؟
السودان منذ استقلاله في يناير١٩٥٦م ظل بوضعه الذي تركه الاستعمار، بل الإدارات الوطنية التي جاءت بعد الاستعمار قامت فقط بتغييرات شكلية. ظلت الإدارة المركزية قائمة إلى يومنا هذا رغم تعدد أنظمة الحكم وتغيير في الجيش وظل البنك المركزي كما هو ونشأت بنوك أخرى ومؤسسات مالية تخدم النخب وظل المنهج التعليمي يعبر عن إنسان الوسط والخرطوم ملىء بثقافة المركز، وتحولت المؤسسات من أداة لخدمة المستعمر إلى أداة لخدمة نخب صغيرة متمركزة في الخرطوم والوسط والشمال. هذه النخبة بنت ثروتها ليس من الإنتاج بل من التحكم في الريع، قطن الجزيرة وصمغ كردفان ومواشي الأطراف والنفط فى كردفان وأعالى النيل سابقا والذهب في دارفور وفي مناطق عديدة في السودان كل ذلك كان يتجمع في المركز الخرطوم ليعاد توزيعه كامتيازات ورواتب ووظائف وبيوت فاخرة للنخب، بينما الأطراف التي تنتج هذه الثروة ظلت بلا مدارس وبلا طرق وبلا مستشفيات. هنا نشأ الانقسام الحقيقي بين مكونات الشعب السوداني وحملت الأطراف السلاح بحثا عن حقوقها.
الصراع ليس بين عرب وزرقة أو أفارقة أو مسلمين ومسيحيين كما صورته الدعاية التى انتجتها النخب الرسمية الفاشلة، بل بين مركز يكدس الثروة ويمتصها ويستمتع بها وهامش ينتج ويهمش أكثر فأكثر. هذا الطريقة هي التي فجرت الحرب مرة أولى ومرة ثانية وثالثة وأخيرا تفجر الصراع في قلب الخرطوم مركز السلطة والقرار السياسي والاقتصادي، وهو سبب كل الحروب في السودان من الشرق إلى دارفور وفي الجنوب سابقا والجنوب الحالي.
* المشكلة في بنية الدولة المركزية القديمة التي كانت تفرض هوية واحدة أحادية على مجتمع متعدد، وتستخدم الدين واللغة كأدوات لإقصاء الآخرين من عقد المواطنة وتبرير احتكارها للسلطة والثروة.
* حرب أبريل ٢٠٢٣م نشأت بسبب تمركز السلطة والثروة في الخرطوم رغم أن مليشيا الدعم السريع تدين بدين المركز وتتحدث لغة المركز ولها ثروة مالية ولكنها استخدمت في تفكيك واحتكار المركز لإعادة توزيع السلطة والثروة بشكل أفقي، بحيث تدار الموارد من حيث تنتج الهامش ويكون للمواطن في جبال النوبة أو البطانة أو دارفور وكردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض نفس امتيازات المواطن في الخرطوم.
* إذن لا بد من بناء اقتصاد منتج لا ريعي يصب في مصلحة النخب.
* إذن لا بد من نقل المدن إلى الريف(الخدمات) أي إلغاء تلك الهوة المصطنعة التي تجعل الخرطوم مضاءة ومكتظة بالخدمات بينما الريف مظلم ومهجور.
* إذن لا بد من علمانية الدولة وديمقراطيتها بمنتوج سوداني، ليس كعداء للدين، بل كشرط لتحريرها وميزة للدولة الحديثة في عالم اليوم فعندما تفرض الدولة دينا واحدا كقانون عام فهي عمليا تقول لجزء كبير من شعبها إنكم مواطنون ليس لكم حقوق دينية غير أن تدخلوا فى دين الإسلام ويظلوا مواطنين من الدرجة الثالثة، وبالتالي تسحب عنهم حقوقهم في الثروة والسلطة.
* إذن لا بد من بناء هوية سودانوية تتجاوز القبلية، هوية قائمة على المصلحة المشتركة جميعاً.
* أن الدولة التي تبنى على إقصاء الآخر وهو أصيل في السودان لا يمكن أن تستقر، مهما بلغت قوتها العسكرية والأمنية أو دعمها الخارجي، وبالتالي تخلق أعدائها في الداخل.
* إن استغلال الموارد الطبيعية وحدها لا تبني السودان من النفط والذهب يمكن أن تبني مدارس ومستشفيات ومصانع إذا تحول إلى استثمار منتج، ويمكن أن تبني قصوراً وجيوشاً خاصة ويمول بها حروباً أهلية إذا بقي ريعاً يتصارع عليه قلة من النخب والعسكريين ولكن يجب أن يوجه العائد فى الاقتصاد الأخضر المستدام.
* السؤال: كيف نبني دولة سودانية تسع الجميع؟ ليس بالشعارات بل بتوزيع عادل لما ننتجه من ثروة وما نملكه؟ الإجابة على هذا السؤال لا تزال هي المفتاح الوحيد لوقف هذه الحروب المستمرة في السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم!
* السودان بلد كبير مترامي الأطراف متعدد الديانات والمعتقدات والثقافات واللغات والاثنيات والعرقيات يحتاج لإدارة حكيمة تحقق العدالة والمساواة للشعب السوداني وهى جزء من الدين أو دين من دين وليس الدين كله نحن في حوجة ماسة لمشروع وطني يتفق فيه العلمانيين والاسلاميين واليساريين والقوميين الأفارقة واللا دينين وكل مكونات الشعب السوداني وماينتج من ذلك المشروع فلنسميه علمانية سودانية Secularism Made in Sudan دون حساسية مع مصطلح علمانية أو إسلامية. فالإسلام أشمل وأوسع من أى منتوج بشري المهم الاستقرار وإيقاف الحرب.
—————————————
سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين دكتور عصام دكين.



