مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور : عصام دكين | هل الحركة الإسلامية طبقت الشريعة(١٦)

صوت الشارع

مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور : عصام دكين | هل الحركة الإسلامية طبقت الشريعة(١٦)

 

دكينيات(1889)2026/8/14م

 

دكتور عصام دكين.

 

* كان إعلان الشريعة الإسلامية في عام ١٩٨٣م في عهد الرئيس نميري احد أسباب اشتعال الحرب مرة أخرى في جنوب السودان بقيادة الدكتور جون قرنق رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش الشعبي وكان شرط إلغاء الشريعة احد اهم شروط التفاوض كما تم الغاءها في اتفاقيتي كوكدام وشقدم التى وقعت بين الحزبين الكبيرين الاتحادي والامة في العام ١٩٨٨م. وانضم الي الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير الشيوعين والعلمانين الشمالين الذين كانوا ضد اعلان الشريعة الإسلامية.

* كان لإعلان الشريعة الإسلامية في ١٩٨٣م اثر كبير في مسيرة الحركة الإسلامية السودانية والدين الإسلامي والوحدة الوطنية في السودان في عصر حقوق الإنسان العالمية.

* بدأت الحركة الإسلامية السودانية تطبيق الشريعة الإسلامية عندما كانت في تحالف مع نظام النميري (1983-1985م) والتى استمرت وعجزت الديمقراطية الثالثة (1986-1989م) من ألغاءها عبر البرنامج المطروح انذاك و هو ازالة اثار مايو.

* صعدت الحركة الإسلامية لسدة الحكم في فترة الإنقاذ (منذ1991م -2019م) فاستمرت تجربة الحركة الإسلامية في تطبيق الشريعة الإسلامية حتى ابريل ٢٠١٩م مع اجرء التعديل والتطوير في القوانيين.

* شن بعض علماء السودان واليسارين القومين واليسارين العروبين والعلمانين هجوما شرسا على الشريعة الإسلامية المعلنة في سبتمبر 1983م في فترة نظام حكم النميري وصفوها الصادق المهدي بأنها كانت معيبة وأن قوانين سبتمبر ١٩٨٣م لا تساوي الحبر الذي كتبت به.

* والبعض رأى أن الحركة الإسلامية أخطأت التقدير في التحالف مع نظام نميري الظالم المجرم القاتل وتحوله الى نظام يطبق الشريعة الإسلامية هنا كانت المفارقة لإضفاء شرعية لنظام نميري الائيل للسقوط وان النميري استغل الاسلاميين و الاسلاميين استغلوا النميري لتحقيق مصالحهم عبر الشعار الإسلامي وتشويهه.

* أن التشريع الذى قادته الحركة الإسلامية السودانية في عهد نميري كان عبر البرلمان مجلس الشعب وباركة علماء العالم الإسلامي وكانت بوسائل ديمقراطية حاضرة في التشريع.

* بزلت الحركة الإسلامية السودانية جهدا جبارا عبر علمائها في القانون الدستوري و التشريع الإسلامي مصتصحبين تلك المتغيرات العصرية الحديثة والاجتهاد لأن للحركة الإسلامية السودانية علماء درسوا وعاشوا في الغرب أمثال الشيخ الدكتور حسن عبدالله الترابى واخرين.

* الحركة الإسلامية السودانية لم تقسم العالم الى دار الإسلام ودار الحرب بل كانت لها علاقات مع الصين اللادينية وروسيا الشيوعية وكثير من دول العالم الغير إسلامي.

كما ان للحركة الإسلامية السودانية لها علاقات مع غير المسلمين في السودان وناقشت معهم الأسس الدستورية التى تخصهم كمواطنين غير مسلمين والضمانات المطلوبة لتطمينهم على حقوقهم الدينية والمدنية والقانونية.

* في٣٠ يونيو 1989م جأت الحركة الإسلامية السودانية الى السلطة عبر انقلاب استبقت فيه اليسار العلماني الى السلطة وهو كان ينوي القيام بانقلاب دموي ليقضي على الحركة الإسلامية السودانية رغم ان حزبها الجبهة الإسلامية القومية كان الحزب الثالث وكان سيصبح الحزب الاول في الديمقراطية الرابعة في انتخابات ١٩٩٠م.

* أعلنت الحركة الإسلامية السودانية برنامجها الشامل (المشروع الحضاري) بعد عام ونصف من الانقلاب وقد نجح المشروع الحضاري لحد ما لان الحركة الإسلامية كانت تعرف واجبها واجتهدت فيه وكذلك كانت الحركة الإسلامية محيطة بالواقع السوداني إحاطة تامة لذلك نجحت واستمرت ثلاثين عاما في الحكم وكل يوم كانت تحقق نجاح في مشروعها الحضاري لانها زاوجت بين الواجب والواقع في الأحكام المدنية المعاملات والدولة من ضمن المعاملات، والأحكام الجنائية، وأحكام المرأة، والتنمية الاقتصادية والبشرية.

* اجتهدت الحركة الإسلامية السودانية خلال مسيرتها التى بدأت من سبتمبر ١٩٨٣م وحتى ابريل ٢٠١٩م في تطبيق الشريعة الإسلامية لانها تعتبره امرا ملزم شرعاً للمسلم وللحاكم المسلم في المجتمع المسلم.

* كان مشروع الحركة الإسلامية السودانية هو المشروع الحضاري والشريعة الإسلامية احد اهم اركانه المهمة لذلك شرعت فيه منذ ١٩٨٣م.

* كانت هنالك اخفاقات في تطبيق المشروع الحضاري لكثرة الشعارات دون أن تضع لها برامج رصينه مع توفر الامكانيات.

* أجتهدت الحركة الإسلامية السودانية في مشروعها الحضاري الإسلامي حيث لا يوجد في الإسلام نص لدولة اسلامية معينة يمكن تطبيقه بل هنالك مبادئ، عامة مبادئ سياسية إسلامية عملت الحركة الإسلامية السودانية في مراعتها في إقامة النظام السياسي لها، والتشريعات التى قامت بتطبيقها.

* الحركة الإسلامية السودانية كانت عضويتها ملتزمة دينيا ومعاصره ومتحمسه له ومتعلمه ومدربة تتمتع بالقيم ولها مؤسسات تنظيمية حديثة. مؤمنة بالديمقراطية والشورى ومطلعه على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مما مكنها من معرفة اختلاف مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مع إلاسلام.

* لذلك سعي الحركة الإسلامية السودانية لتطبيق مبادئ الإسلام السياسية في الحياة فهو من برامجها المعلنة والتى تسعى لتحقيقها و تطبيقها وفق مقاصد الشريعة الاسلامية.

* في عام ١٩٨٧م وكنت حينها على أعتاب دخول المرحلة المتوسطة بمدرسة عمارة الشيخ هجو المتوسطة شمال غرب سكر سنار وبينما وانا في ام درمان الثورة الحارة الرابعة اصطحبنى فى ليلة رمضانيه شقيقي الشهيد جمال دكين وهو طالب في جامعة القاهرة فرع الخرطوم كلية الآداب الى ندوة سياسية فى الميدان الشرقي لجامعة الخرطوم وكنت حينها اعرف فقط الجبهة الإسلامية القومية ومرشحها الراحل الأستاذ أحمد محمد باكر في الدائرة (107) سنار الشمالية وكان يأتي الى والدى ومعه الشيخ الدكتور الراحل محمد أحمد المبارك وكانوا أهل المنطقة يقولون عليهم (الخمينية) نسبة لانتصار الثورة الخمينية في إيران في بداية الثمانينيات هذا كل ما أعرفه عن الإسلاميين في ذلك الوقت. في تلك الندوة في الميدان الشرقي لجامعة الخرطوم شباب وشابات متحمسين يهتفون ويحملون المصاحف شريعية سريعة ولا نموت هتافات كانت تشق عنان السماء وتكبيرات كان الجو حماسي مدهش وكان مقدم الندوة الأستاذ مهدي إبراهيم بصوت جهور ومن شدة الهتاف قال كلمة للحضور قال (وكأني أرى ملائكة السماء تصافحكم) من شدة التهليل والتكبير فعرفت من اخي الشهيد جمال دكين أن هولاء هم شباب الاتجاه الإسلامي والحركة الإسلامية والذى كان يتحدث في الندوة والناس صامته هو الشيخ الدكتور حسن عبدالله الترابى فكانت الانطلاقة فالشهيد جمال دكين هو الذى قادني الى ذلك الطريق رحمة الله عليه.

* الخلاصة هى حصيلة تجربتي واطلاعي على الأزمة السودانية:.

كيف نبني السودان لكي يسع الجميع؟

السودان منذ استقلاله في يناير١٩٥٦م ظل بوضعه الذي تركه الاستعمار، بل الإدارات الوطنية التي جاءت بعد الاستعمار قامت فقط بتغييرات شكلية. ظلت الإدارة المركزية قائمة إلى يومنا هذا رغم تعدد أنظمة الحكم وتغيير في الجيش وظل البنك المركزي كما هو ونشأت بنوك أخرى ومؤسسات مالية تخدم النخب وظل المنهج التعليمي يعبر عن إنسان الوسط والخرطوم ملىء بثقافة المركز، وتحولت المؤسسات من أداة لخدمة المستعمر إلى أداة لخدمة نخب صغيرة متمركزة في الخرطوم والوسط والشمال. هذه النخبة بنت ثروتها ليس من الإنتاج بل من التحكم في الريع، قطن الجزيرة وصمغ كردفان ومواشي الأطراف والنفط فى كردفان وأعالى النيل سابقا والذهب في دارفور وفي مناطق عديدة في السودان كل ذلك كان يتجمع في المركز الخرطوم ليعاد توزيعه كامتيازات ورواتب ووظائف وبيوت فاخرة للنخب، بينما الأطراف التي تنتج هذه الثروة ظلت بلا مدارس وبلا طرق وبلا مستشفيات. هنا نشأ الانقسام الحقيقي بين مكونات الشعب السوداني وحملت الأطراف السلاح بحثا عن حقوقها.

الصراع ليس بين عرب وزرقة أو أفارقة أو مسلمين ومسيحيين كما صورته الدعاية التى انتجتها النخب الرسمية الفاشلة، بل بين مركز يكدس الثروة ويمتصها ويستمتع بها وهامش ينتج ويهمش أكثر فأكثر. هذا الطريقة هي التي فجرت الحرب مرة أولى ومرة ثانية وثالثة وأخيرا تفجر الصراع في قلب الخرطوم مركز السلطة والقرار السياسي والاقتصادي، وهو سبب كل الحروب في السودان من الشرق إلى دارفور وفي الجنوب سابقا والجنوب الحالي.

* المشكلة في بنية الدولة المركزية القديمة التي كانت تفرض هوية واحدة أحادية على مجتمع متعدد، وتستخدم الدين واللغة كأدوات لإقصاء الآخرين من عقد المواطنة وتبرير احتكارها للسلطة والثروة.

* حرب أبريل ٢٠٢٣م نشأت بسبب تمركز السلطة والثروة في الخرطوم رغم أن مليشيا الدعم السريع تدين بدين المركز وتتحدث لغة المركز ولها ثروة مالية ولكنها استخدمت في تفكيك واحتكار المركز لإعادة توزيع السلطة والثروة بشكل أفقي، بحيث تدار الموارد من حيث تنتج الهامش ويكون للمواطن في جبال النوبة أو البطانة أو دارفور وكردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض نفس امتيازات المواطن في الخرطوم.

* إذن لا بد من بناء اقتصاد منتج لا ريعي يصب في مصلحة النخب.

* إذن لا بد من نقل المدن إلى الريف(الخدمات) أي إلغاء تلك الهوة المصطنعة التي تجعل الخرطوم مضاءة ومكتظة بالخدمات بينما الريف مظلم ومهجور.

* إذن لا بد من علمانية الدولة وديمقراطيتها بمنتوج سوداني، ليس كعداء للدين، بل كشرط لتحريرها وميزة للدولة الحديثة في عالم اليوم فعندما تفرض الدولة دينا واحدا كقانون عام فهي عمليا تقول لجزء كبير من شعبها إنكم مواطنون ليس لكم حقوق دينية غير أن تدخلوا فى دين الإسلام ويظلوا مواطنين من الدرجة الثالثة، وبالتالي تسحب عنهم حقوقهم في الثروة والسلطة.

* إذن لا بد من بناء هوية سودانوية تتجاوز القبلية، هوية قائمة على المصلحة المشتركة جميعاً.

* أن الدولة التي تبنى على إقصاء الآخر وهو أصيل في السودان لا يمكن أن تستقر، مهما بلغت قوتها العسكرية والأمنية أو دعمها الخارجي، وبالتالي تخلق أعدائها في الداخل.

* إن استغلال الموارد الطبيعية وحدها لا تبني السودان من النفط والذهب يمكن أن تبني مدارس ومستشفيات ومصانع إذا تحول إلى استثمار منتج، ويمكن أن تبني قصوراً وجيوشاً خاصة ويمول بها حروباً أهلية إذا بقي ريعاً يتصارع عليه قلة من النخب والعسكريين ولكن يجب أن يوجه العائد فى الاقتصاد الأخضر المستدام.

* السؤال: كيف نبني دولة سودانية تسع الجميع؟ ليس بالشعارات بل بتوزيع عادل لما ننتجه من ثروة وما نملكه؟ الإجابة على هذا السؤال لا تزال هي المفتاح الوحيد لوقف هذه الحروب المستمرة في السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم!

* السودان بلد كبير مترامي الأطراف متعدد الديانات والمعتقدات والثقافات واللغات والاثنيات والعرقيات يحتاج لإدارة حكيمة تحقق العدالة والمساواة للشعب السوداني وهى جزء من الدين أو دين من دين وليس الدين كله نحن في حوجة ماسة لمشروع وطني يتفق فيه العلمانيين والاسلاميين واليساريين والقوميين الأفارقة واللا دينين وكل مكونات الشعب السوداني وماينتج من ذلك المشروع فلنسميه علمانية سودانية Secularism Made in Sudan دون حساسية مع مصطلح علمانية أو إسلامية. فالإسلام أشمل وأوسع من أى منتوج بشري المهم الاستقرار وإيقاف الحرب.

—————————————

سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين دكتور عصام دكين.

عصام دكين

أنا دكتور زراعي ضل طريقه إلى عالم السياسة الكذوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى