مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور : عصام دكين | هل هنالك نموزج محدد لدولة اسلامية ملزم للمسلمين في كل زمان ومكان؟

صوت الشارع

مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور : عصام دكين | هل هنالك نموزج محدد لدولة اسلامية ملزم للمسلمين في كل زمان ومكان؟
هل اقامت الحركة الإسلامية دولة اسلامية(١٢)؟.

دكينيات(1873)اغسطس2026م

دكتور عصام دكين.

* جاء الإسلام من اجل هداية البشرية كافة بمبادئ وقيم وتوحيد. لذلك اجتهدت الحركة الإسلامية خلال مسيرتها في قيام دولة اسلامية نختلف ونتفق في معايرها.
* استنتجه العلمانين مبادئ حقوق الإنسان العالمية من المبادئ العامة في الإسلام التي صيغت في القرن العشرين وهو أعظم إنتاج علماني بالنسبة لغير المسلمين البالغين 6 مليار نسمة غائب عنهم جوهر الإسلام القائم على العدالة والمساواة وحفظ النفس والعرض والمال واقامة الدنيا والدين.
* يستغل العلمانين التاريخ السياسي الإسلامي اى الدولة الاسلامية بعد انقطاع الوحى وخاصة بعد الصدر الإسلامي الأول حيث وصفوا ان الدولة الإسلامية انذاك قامت على شرعية القوة وفارقت عملياً أغلب الأسس الإسلامية للحكم كالعدل والشورى باعتبارها نقطة ضعف فيها بالإضافة للحروب التى نشأت بين المسلمين.
* ظهرت اجتهادات ونظريات لتأسيس الدولة الإسلامية:
١/ الاولى قامت على تجربة عهد الخلفاء الراشدين السنية التي حددت معالم الدولة الإسلامية. قياساً على تجربة عهد الخلفاء الراشدين. وهم الخلفاء الاربعة رضى الله عنهم الذين قادوا تلك الدولة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وكان الخلفاء الاربعة رضوان الله عليهم علماء رباهم النبي صلى الله عليه وسلم. تم تطبيق موجهات الإسلام في مؤسسات في فترة حكم الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم.
* ظل العلمانين دائما ما ياخذون مآخذ فترة حكم الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه بانه أقام سلطانه على القوة لا على الشورى وتداول السلطة بموجب الوراثة كنقطة ضعف فى الدولة الإسلامية. ولكن جمهور الفقهاء انذاك وبعده بارك ذلك النهج وألزموا الناس طاعته خوف الفتنة وهذا تقدير موقف انذاك. ومازال الفقهاء يحزرون من الخروج على الحاكم بل بعضهم حرم ذلك خوفا من الفوضى وقد حدثت لنا في السودان اوصلتنا الى حرب ١٥ ابريل٢٠٢٣م قضت على الدولة كلها وانتهكت الدين والعرض والاملاك وانهت مقدرات الدولة.
* الشيخ أبو الأعلى المودودي استنتجه نظرية “الحاكمية لله” في الإطار السني وهي جعل ولاية الأمر دينية، وقد وجدت قبولا وسط العديد من الحركات الإسلامية في عالم الاسلامي السني ما عداء الحركة الإسلامية السودانية بقيادة الدكتور حسن عبدالله الترابى.
* الشيعية هم فصائل عديده أشهرها الاثني عشرية التي ترى أن قيادة الأمة أي الإمامة ركنٌ من أركان الدين وهي اختيار إلهي مثل النبوة لا يفرقها منها إلا الوحي.
* الإمام عند الشيعة معصوم مطاع على الأمة أن تطيعه مثلما تطيع النبي صلى الله عليه وسلم.
* الشيعة الإمامة عندهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويليه في هذا المنصب أحد عشر إماماً محددون آخرهم غاب منذ اكثر من ألف سنة وسوف يعود يوماً وهو المهدي المنتظر.
* يرى الشيعة في غيبة الإمام وعلى مر الأيام نشأت مؤسسة شيعية يقودها مراجع التقليد وهم فقهاء علماء يسمون آيات الله الكبرى وعلى الجمهور تقليدهم في غيبة الإمام.
* وبعد وصول الشيعة في إيران الى السلطة باسم الثورة الإسلامية أصبحت المؤسسة الشيعية هي المسئولة سياسياً ودينياً عن قيادة إيران. وبنت الدستور الإيراني على نظرية ولاية الفقيه التي دعا إليها آية الله الخميني، الفقيه صاحب الولاية صلاحياته مثل صلاحيات الإمام الغائب تولاها آية الله الخميني حتى وفاته ثم آية الله خامئني. إن نظام ولاية الفقيه له جذوره في الفهم الشيعي للقيادة الدينية ولكنه لم يجد قبولاً في النطاق السني.
* إن فكرة الحاكمية التي نادى بها المودودي وهى لا تلتقي مع ولاية الفقيه في الكثير من جوانبها.
* في الإطار الشيعي توجد هنالك تحفظات على ولاية الفقيه جهر بها بعض علماء الشيعه مثل آية الله شريعة مداري وآية الله محمد منتظري وآخرون.
* السؤال هل النظريتان السنية والشيعية تصلحان لتأسيس دولةٍ اسلامية عصرية: الإجابة كانت عندنا فى الحركة الاسلامية السودانية لا والدليل تجربة الحركة الإسلامية السودانية فى الحكم خلال ثلاثين عاما.
* مبادئ الإسلام، والتجربة التاريخية الإسلامية لا تؤكد أن هنالك نموزج محدد لدولة إسلامية معينة ملزمة للمسلمين في كل زمان ومكان. لذلك كانت تجربة الحركة الإسلامية السودانية فى الحكم خلال ثلاثين عاما مختلفة ومتميزة فى ظل التنوع البشرى في السودان.
* تجربة الدولة الحديثة ولتحقيق العدالة لا تسمح لشخص واحد أن يجمع في يده كل السلطات بل جأت بنظام فصل السلطات التشريعية والتتفيذية والقضائية والفصل بينهما واستقلاليتهما.وهذا ما قدمته الحركة الإسلامية السودانية في مسيرة حكمها خلال الثلاثين عاما الا انها فشلت فى تغير الإمامة أو الرئاسة خوفا من الفتنة رغم بسطها للسلطة والثروة للشعب السوداني.
* التجربة الحديثة جأت بالانتخاب المباشر عبر الديمقراطية لكل الناس بدل اختيار امام واحد بالتعيين عبر مشورة محدودة الأشخاص، أو لخليفة واحد بصلاحيات الخلافة المتعارف عليها وفي أيديها كل سلطات الدولة ويمارساها على كافة. الحركة الإسلامية السودانية طرحت فكرة التداول السلمي للسلطة بيقام الانتخابات في عدد من الفترات ولكنها عجزت أن تغير الرئيس البشير في قيادة حزبها وهنا نقطة ضعفها.
* فشل العلمانين من الامة الإسلامية وخصوصا العلمانين السودانين ان يجتهدوا فى ايجاد منهج اى نظام حكم سياسي للشعب السوداني وللشعوب الإسلامية يناسب الظروف المكانية و التاريخية والحالية ويناسب النظم المؤسسية الحديثة في إدارة الشأن العام، ولكنهم كانوا مصرين على نظام علماني على شعب مسلم تحت ستار الديمقراطية التى تظل باطلة اذا جأت بالاسلاميين على سدة الحكم.
* المسلمين رغم عالمية رسالتهم وانها خاتمة الرسالات الا انهم ظلوا في حالة عدم اتفاق على طريقة التداول السلمي للسلطة ولم ينجحوا في تقديم نموزج حكم إسلامي في العصر الحديث لذلك اصبحوا لا ينصاعون الى شخص واحد ليقود المسلمين حتى في الأمور الدينية وفي الوطن الواحد اصبح غير ممكن. لذلك لم تخرج تجربة الحركة الإسلامية السودانية خلال مسيرتها في الثلاثين عاما من دائرة الحكم العضوض رغم أن الحركة الإسلامية لها حزب سياسي جمع حتى المسيحين ولكنه ظل هو المسيطر مع وجود احزاب سياسية مناصرة له لحفظ مصالحها وليس لاقامة دولة ديمقراطية.
* انتفضت الشعوب الإسلامية والشعب السوداني ورفضت فرض رئيس بالقوة واصبح في السودان من الدول المستحيله أن يفرض اى شخص نفسه على حكم الشعب السوداني رغم تعدد الاجتهادات الدينية وبعضها حرم الخروج على الحاكم، كذلك الفرق والمذاهب. خرج الشعب السوداني ورفض تجربة الحركة الإسلامية السودانية في الحكم لأنها لم تطور تجربتها.
* المتاح للشعب السوداني وللشعوب المسلمة هو التراضي والتعاون عبر مؤسسات في كل الأمور المتعلقة بالحكم.
* أن النظام السياسي العلماني والديمقراطية هى السبيل الوحيد لمخرجنا من ازماتنا التى بدأت مع نشأة الدولة السودانية منذ ١٩٥٦م. واصبح الصراع على إقامة الدولة السودانية على النهج العلماني ام النهج الإسلامي اذن نحن فى حاجه لإيجاد طريق ثالث وهو Secularism Made in Sudan. طالما ليس هنالك نموزج محدد للحكم فى الإسلام.
* لم تتعارض المبادئ الإسلامية السياسية مع الانتخابات والديمقراطية التى تجعل المسلمين مسئولين عن اختيار الحاكم وهم المسئولون عن محاسبته عبر المؤسسات التشريعية أي أنه حاكم مدني مفوض من قبل الشعب عبر الية الانتخابات. وهذا ما قامت به الحركة الإسلامية خلال مسيرة حكمها خلال الثلاثين عاما.
* مبادئ الإسلام جعلت العدل شرطاً أصيلاً في الحكم حيث اصبح العدل من السمات المميزة للنظم الحاكمة في العالم وعندما غاب العدل في كثير من الدول ظهرت حركات التمرد المسلحة التى ظهرت فى السودان منذ أغسطس١٩٥٥م حتى ١٥ ابريل٢٠٢٣م. لان حياة الناس تستقيمُ في الدنيا مع العدل. اذن مازال السودان مشكلته في إقامة العدالة!.
* إن الله يقيمُ اى ينصر الدولة العادل وان كانت كافرة، ولا يقيم ولا ينصر الدولة الظالمة وان كانت مسلمة. لذلك سقطت دولة الحركة الإسلامية السودانية لأنها لم تقوم بتحقيق العدل.
* أن الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام.
* لم تتعارض مبادئ الإسلام السياسية الفصل بين سلطات الدولة وهذه مميزات الدولة الحديثة. لذلك اقامت دولة الحركة الإسلامية السودانية بفصل السلطات رغم المأخذ.
* القاضي إذا ولاه الإمام صار مسؤلا عن المسلمين لا عن الإمام ويصبح القاضي في حكم الإمام في كل بلد هذا مبدأ استقلال القضاء.
* كان ما يميز تجربة الحركة الإسلامية السودانية هو وجود قضاء نافذ.
* ان مبادئ الإسلام تقوم على استقلال القضاء، ومدنية الدولة، والفصل بين السلطات. لقد نجحت في ذلك الحركة الإسلامية السودانية خلال مسيرة حكمها في الثلاثين عاما
* التجربة الدستورية الغربية اقامت هذه المفاهيم وأقامت لها المؤسسات وضبطت ممارستها وبما أن العدل من أهم مقاصد الشريعة وإن الفصل بين السلطات من أهم شروط العدل فيجب قبول مبدأ الفصل بين السلطات لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
* الخلاصة:.
كيف نبني السودان لكي يسع الجميع؟
السودان منذ استقلاله في يناير١٩٥٦م ظل بوضعه الذي تركه الاستعمار، بل الإدارات الوطنية التي جاءت بعد الاستعمار قامت فقط بتغييرات شكلية. ظلت الإدارة المركزية قائمة إلى يومنا هذا رغم تعدد أنظمة الحكم وتغيير في الجيش وظل البنك المركزي كما هو ونشأت بنوك أخرى ومؤسسات مالية تخدم النخب وظل المنهج التعليمي يعبر عن إنسان الوسط والخرطوم ملىء بثقافة المركز، وتحولت المؤسسات من أداة لخدمة المستعمر إلى أداة لخدمة نخب صغيرة متمركزة في الخرطوم والوسط والشمال. هذه النخبة بنت ثروتها ليس من الإنتاج بل من التحكم في الريع، قطن الجزيرة وصمغ كردفان ومواشي الأطراف والنفط فى كردفان وأعالى النيل سابقا والذهب في دارفور وفي مناطق عديدة في السودان كل ذلك كان يتجمع في المركز الخرطوم ليعاد توزيعه كامتيازات ورواتب ووظائف وبيوت فاخرة للنخب، بينما الأطراف التي تنتج هذه الثروة ظلت بلا مدارس وبلا طرق وبلا مستشفيات. هنا نشأ الانقسام الحقيقي بين مكونات الشعب السوداني وحملت الأطراف السلاح بحثا عن حقوقها.
الصراع ليس بين عرب وزرقة أو أفارقة أو مسلمين ومسيحيين كما صورته الدعاية التى انتجتها النخب الرسمية الفاشلة، بل بين مركز يكدس الثروة ويمتصها ويستمتع بها وهامش ينتج ويهمش أكثر فأكثر. هذا الطريقة هي التي فجرت الحرب مرة أولى ومرة ثانية وثالثة وأخيرا تفجر الصراع في قلب الخرطوم مركز السلطة والقرار السياسي والاقتصادي، وهو سبب كل الحروب في السودان من الشرق إلى دارفور وفي الجنوب سابقا والجنوب الحالي.
* المشكلة في بنية الدولة المركزية القديمة التي كانت تفرض هوية واحدة أحادية على مجتمع متعدد، وتستخدم الدين واللغة كأدوات لإقصاء الآخرين من عقد المواطنة وتبرير احتكارها للسلطة والثروة.
* حرب أبريل ٢٠٢٣م نشأت بسبب تمركز السلطة والثروة في الخرطوم رغم أن مليشيا الدعم السريع تدين بدين المركز وتتحدث لغة المركز ولها ثروة مالية ولكنها استخدمت في تفكيك واحتكار المركز لإعادة توزيع السلطة والثروة بشكل أفقي، بحيث تدار الموارد من حيث تنتج الهامش ويكون للمواطن في جبال النوبة أو البطانة أو دارفور وكردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض نفس امتيازات المواطن في الخرطوم.
* إذن لا بد من بناء اقتصاد منتج لا ريعي يصب في مصلحة النخب.
* إذن لا بد من نقل المدن إلى الريف(الخدمات) أي إلغاء تلك الهوة المصطنعة التي تجعل الخرطوم مضاءة ومكتظة بالخدمات بينما الريف مظلم ومهجور.
* إذن لا بد من علمانية الدولة وديمقراطيتها بمنتوج سوداني، ليس كعداء للدين، بل كشرط لتحريرها وميزة للدولة الحديثة في عالم اليوم فعندما تفرض الدولة دينا واحدا كقانون عام فهي عمليا تقول لجزء كبير من شعبها إنكم مواطنون ليس لكم حقوق دينية غير أن تدخلوا فى دين الإسلام ويظلوا مواطنين من الدرجة الثالثة، وبالتالي تسحب عنهم حقوقهم في الثروة والسلطة.
* إذن لا بد من بناء هوية سودانوية تتجاوز القبلية، هوية قائمة على المصلحة المشتركة جميعاً.
* أن الدولة التي تبنى على إقصاء الآخر وهو أصيل في السودان لا يمكن أن تستقر، مهما بلغت قوتها العسكرية والأمنية أو دعمها الخارجي، وبالتالي تخلق أعدائها في الداخل.
* إن استغلال الموارد الطبيعية وحدها لا تبني السودان من النفط والذهب يمكن أن تبني مدارس ومستشفيات ومصانع إذا تحول إلى استثمار منتج، ويمكن أن تبني قصوراً وجيوشاً خاصة ويمول بها حروباً أهلية إذا بقي ريعاً يتصارع عليه قلة من النخب والعسكريين ولكن يجب أن يوجه العائد فى الاقتصاد الأخضر المستدام.
* السؤال: كيف نبني دولة سودانية تسع الجميع؟ ليس بالشعارات بل بتوزيع عادل لما ننتجه من ثروة وما نملكه؟ الإجابة على هذا السؤال لا تزال هي المفتاح الوحيد لوقف هذه الحروب المستمرة في السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم!
* السودان بلد كبير مترامي الأطراف متعدد الديانات والمعتقدات والثقافات واللغات والاثنيات والعرقيات يحتاج لإدارة حكيمة تحقق العدالة والمساواة للشعب السوداني وهى جزء من الدين أو دين من دين وليس الدين كله نحن في حوجة ماسة لمشروع وطني يتفق فيه العلمانيين والاسلاميين واليساريين والقوميين الأفارقة واللا دينين وكل مكونات الشعب السوداني وماينتج من ذلك المشروع فلنسميه علمانية سودانية Secularism Made in Sudan دون حساسية مع مصطلح علمانية أو إسلامية. فالإسلام أشمل وأوسع من أى منتوج بشري المهم الاستقرار وإيقاف الحرب.
—————————————
سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين دكتور عصام دكين.

عصام دكين

أنا دكتور زراعي ضل طريقه إلى عالم السياسة الكذوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى