مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | السودان… من رماد الحرب إلى ميلاد الدولة

صوت الشارع

مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | السودان… من رماد الحرب إلى ميلاد الدولة

في تاريخ الأمم، هناك حروب تنتهي بتوقيع اتفاق، وهناك حروب تُعيد تشكيل هوية الدول لعقود طويلة. وما يعيشه السودان اليوم ليس مجرد صراع مسلح على الأرض أو تنافس على السلطة، بل لحظة تاريخية فاصلة ستحدد شكل الدولة السودانية للأجيال القادمة. فالسؤال الحقيقي لم يعد: من سينتصر في الحرب؟ وإنما: أي دولة ستولد بعد أن تنطفئ آخر رصاصة؟
لقد كشفت الحرب هشاشة البنية المؤسسية، وأظهرت حجم التراكمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ظلت تتفاقم عبر عقود. كما أكدت أن الدولة التي تعجز عن بناء مؤسسات قوية تصبح أكثر عرضة للانهيار عند أول اختبار كبير. لذلك، فإن السودان اليوم لا يقف أمام مهمة إعادة الإعمار فحسب، بل أمام مهمة أكثر تعقيدًا وأهمية، وهي إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة.
لقد خسر السودان كثيرًا؛ أرواحًا بريئة، ومدنًا دمرتها الحرب، ومؤسسات أصابها الشلل، واقتصادًا أنهكته سنوات الصراع، وملايين المواطنين الذين اضطروا إلى النزوح واللجوء. لكن أخطر الخسائر كانت تآكل الثقة بين المواطن والدولة، وبين مكونات المجتمع نفسها. وهذه الخسارة لا تُعالج بالأموال، بل برؤية وطنية تعيد بناء الثقة قبل إعادة بناء الحجر.
غير أن التاريخ يعلمنا أن كثيرًا من الدول خرجت من حروب أكثر تدميرًا، ثم تحولت إلى نماذج عالمية في التنمية والاستقرار، لأنها امتلكت قيادة واعية، ومشروعًا وطنيًا، وإرادة جماعية تضع المستقبل فوق حسابات الماضي. والسودان قادر على أن يسلك هذا الطريق إذا اختار أن يتعامل مع الحرب باعتبارها نهاية مرحلة، لا بداية دورة جديدة من الصراع.
إن إعادة بناء السودان يجب ألا تُختزل في إعادة تشييد الجسور والطرق والمباني الحكومية، على أهميتها، وإنما يجب أن تبدأ بإعادة بناء مؤسسات الدولة نفسها. فالدولة الحديثة لا تُقاس بعدد المباني، بل بقدرتها على تقديم الخدمات، وحماية القانون، وتحقيق العدالة، وإدارة الموارد بكفاءة وشفافية.
ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح دون إصلاح جذري للخدمة المدنية، لتعود مؤسسة مهنية تقوم على الكفاءة والنزاهة، بعيدًا عن المحاصصات والولاءات الضيقة. كما أن استقلال القضاء، وتطوير أجهزة الرقابة والمحاسبة، وإصلاح الإدارة المحلية، ليست مطالب سياسية فحسب، بل شروط أساسية لبقاء الدولة.
اقتصاديًا، يمتلك السودان فرصة استثنائية إذا أحسن استغلالها. فالموارد الطبيعية الهائلة، والأراضي الزراعية الخصبة، والثروات المعدنية، والموقع الجغرافي الذي يربط بين أفريقيا والعالم العربي، كلها عناصر تجعل السودان مؤهلًا لأن يكون قوة اقتصادية إقليمية. لكن هذه الإمكانات ستظل حبيسة الأوراق ما لم تُترجم إلى سياسات واضحة، واستثمارات منتجة، وبنية تحتية حديثة، وتشريعات تمنح المستثمر الثقة، وتحفظ في الوقت نفسه حقوق الدولة والمجتمع.
ولا ينبغي أن تكون مرحلة ما بعد الحرب مجرد مرحلة إنفاق على إعادة الإعمار، بل مرحلة تحول اقتصادي شامل، يقوم على الإنتاج والتصنيع والقيمة المضافة، لا على تصدير المواد الخام فقط. فالدول التي تنهض هي تلك التي تحول مواردها إلى صناعات، وشبابها إلى قوة إنتاج، ومعرفتها إلى اقتصاد تنافسي.
أما التعليم، فهو حجر الأساس لأي نهضة حقيقية. فالسودان يحتاج إلى نظام تعليمي يواكب الثورة الرقمية، ويربط مخرجات التعليم بسوق العمل، ويشجع البحث العلمي والابتكار، ويغرس قيم المواطنة والمسؤولية. كما أن بناء نظام صحي قوي وشامل ليس رفاهية، بل أحد أهم مقومات الأمن الوطني.
سياسيًا، لا يمكن بناء دولة مستقرة دون عقد اجتماعي جديد، يشعر فيه كل سوداني بأن حقوقه مصونة وواجباته واضحة، وأن الانتماء للوطن يسمو فوق الانتماءات الضيقة. إن السلام الحقيقي لا يتحقق فقط بإسكات صوت السلاح، بل بإزالة الأسباب التي تدفع إلى حمله، عبر العدالة، والتنمية المتوازنة، وتكافؤ الفرص، واحترام التنوع الثقافي والاجتماعي الذي يمثل أحد أهم مصادر قوة السودان.
وفي الوقت نفسه، فإن السياسة الخارجية يجب أن تنطلق من المصلحة الوطنية، وأن تُبنى على شراكات اقتصادية وتنموية متوازنة، تحفظ استقلال القرار السوداني، وتفتح آفاقًا للاستثمار والتعاون، بعيدًا عن سياسة المحاور والاستقطاب.
ولا يقل دور المواطن أهمية عن دور الدولة. فإعادة بناء السودان ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية كل سوداني؛ من المزارع في حقله، والمعلم في فصله، والطبيب في مستشفاه، ورجل الأعمال في استثماره، والشباب في مبادراتهم، والإعلام في رسالته. فالأوطان تُبنى عندما تتحول المسؤولية إلى ثقافة عامة، لا إلى شعارات موسمية.
إن اللحظة التي يعيشها السودان اليوم قد تكون الأكثر خطورة منذ الاستقلال، لكنها قد تكون أيضًا الأكثر قدرة على صناعة تحول تاريخي. فالأزمات الكبرى كثيرًا ما تفتح أبوابًا كانت مغلقة، وتمنح الشعوب فرصة لإعادة اكتشاف نفسها وتصحيح مسارها.
إن العودة إلى ما قبل الحرب ليست هدفًا كافيًا، لأن ذلك الواقع حمل في داخله أسباب الانهيار. المطلوب هو الانتقال إلى مرحلة جديدة، تُولد فيها دولة أكثر عدالة وكفاءة وقدرة على حماية مواطنيها وتحقيق تطلعاتهم.
لقد آن الأوان لأن ينتقل الخطاب الوطني من سؤال: كيف نوقف الحرب؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نبني السودان الذي يستحقه أبناؤه؟
فالأوطان العظيمة لا تُقاس بعدد الحروب التي خاضتها، بل بقدرتها على تحويل الألم إلى أمل، والدمار إلى تنمية، والانقسام إلى وحدة، واليأس إلى مشروع وطني جامع.
ومن بين رماد الحرب، يمكن أن يولد السودان من جديد… لا بوصفه دولة نجت من الصراع فحسب، بل بوصفه دولة تعلمت من مأساتها، وأعادت بناء نفسها على أسس العدالة، والمؤسسات، والإنتاج، والمواطنة. عندها فقط، لن يكون السودان قد تجاوز الحرب، بل سيكون قد بدأ كتابة فصل جديد من تاريخه، عنوانه: ميلاد الدولة.

نسيبة خالد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى