مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور : عصام دكين | جوهر الصراع بين العلمانيين والاسلاميين واليساريين حول النظام السياسي (٤).

صوت الشارع

مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور : عصام دكين | جوهر الصراع بين العلمانيين والاسلاميين واليساريين حول النظام السياسي (٤).

دكينيات(1861)3 اغسطس 2026

دكتور عصام دكين.

ظهر فقه تحريم الخروج على الحاكم فى الأمة الإسلامية الأمر الذى أدى إلى تنزيل الأحكام الشرعية على غير محلها حيث لم يعد يرى فقهاء السلطان تاريخيا في الخروج على الحاكم الا الخروج المسلح (التمرد) فهو شأن فقهاء السلطان في كل زمان ومكان ،علما بان هذه الفتاوي والأحكام ليست جديدة ولا طارئه على أهل الإسلام وإنما هى من علل التدين قد تكون انتقلت من الأمم السابقة حيث يتحالف الطاغوت (الاستبداد السياسي) مع شيوخ الإسلام او القساوسه فى المسيحيه (الكهانات الدينية) التى تعطي المسوغ للاستبداد السياسي وتحرم عصيانه والخروج عليه أمام الجمهور المنهك بفعل الطاغية.
* الرسول صلى الله عليه وسلم يقول( أمتى لا تجتمع على ضلالة) حيث لم يخل زمن او عصر علماء مستقيمين (عدول مجاهدين) يحملون العلم وينفون عنه الضلالات وهى صفه الإسلام خاتم الرسالات بعد توقف الوحي.
*أقوى انواع الجهاد قولة حق أمام سلطان جائر.
* ظهور علماء مستقيمين يعتزلون مؤسسه الحكم ويحملون النصح ويجهرون بكلمة الحق ويحمون الجماهير من فساد مؤسسه الحكم ويوزنون بين المصالح والمفاسد في التعامل مع مؤسسه الحكم. لكنهم سجنوا وعزبوا وهجروا من اوطانهم او ماتوا فى المعتقلات فكلمة الحق أصبحت مكلفه للدعاه والسياسين المعارضين خصوصا في المنطقة العربية
*ان الفقه السياسي او السياسة الشرعية لدينا نحن المسلمين رصيد ثقافي كافي منها في مجال الحاكمية لابد أن ينظر اليه ويحكم عليه من خلال سياقه التاريخى والظروف والملابسات التى احاطت به ومعظمه تمحور حول قاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) او ما يسمى فقه درء المفاسد وانه فى النهاية اجتهادات بشرية غير ملزمه كسائر الاجتهادات يوخذ منها ويرد خاصة بعد ان تطورت الأدوات والوسائل البشرية في أشكال المعارضة والمواجهه والمناصحه بحسب ظروف كل زمان ومكان فى بناء انظمة الحكم فالبعض يحرم الخروج ويجب الطاعة المطلقة مهما كانت الظروف والبعض الاخر لا يرى الا الخروج والمواجهه ومهما كانت النتائج ونمط الوسطية والعدل مازال غائبا او مفقودا لحدا ما عن المعادلة السياسية بالقدر المطلوب.
* يعتقد الكثيرين ان الخروج على الحاكم يقتصر على الخروج المسلح الذى نعيشه الان فى السودان ومن قبل حيث ادخل الشعب السوداني في متاهات مجهولة ومفاسد لا حدود لها.
* ولكن تجربتنا فى السودان مع خروج الحركات المسلحة المتمردة فى جنوب السودان ودارفور وشرق السودان وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق والحكم عليها بالتحريم فيه الكثير من التدليس والالتباس والتكريس لحكم الفساد والاستبداد وتكبيل الجمهور باحكام شرعية غالبا ما تصدر من فقهاء السلطان سدنه السلطة السياسية او السلطة المالية الذين يضعون المبررات او المسوغات وينتقون الأحكام الشرعيه لتبرير عمل الحاكم ومن ثم تتحول القضية عندهم إلى نوع من الدفاع عن النفس والعرض والمال.
* ان وسائل وادوات النقد والمراجعة والمناصحه والمظاهره والاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أشد تاثيرا من الخروج المسلح وأقل خطورة وضحايا كما حدث فى ثورات الربيع العربي وثورة أكتوبر ١٩٦٤م وابريل ١٩٨٥م وابريل ٢٠١٩م أسقطت ثلاثة حكومات عسكرية فى السودان ولم تستطع حركات التمرد الخروج المسلح اسقاطها
* لقد تطورت وسائلنا فى المناصحه والنقد والمراجعة واستخدام الصحافة والاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي التى أصبحت تسمي القوة المرنه او الناعمة والتحول من المواجهة إلى الحوار والمجادله وبيان الخلل والفساد والإستفادة مما وصل اليه الآخرين في تصحيح مسيرة الحكم والحيلوله دون الخروج والمواجهات المسلحة (التمرد) الذى لم يحمل لنا خيرا على مدار التاريخ منذ اغسطس ١٩٥٥م تمرد كتيبه توريت في جنوب السودان وتمرد شرق السودان تمرد جنوب كردفان وتمرد جنوب النيل الازرق وتمرد دارفور الكبري إلى تمرد قوات الدعم السريع اليوم وجميعها فشلت في تحقيق أهدافها السياسية بالسلاح ولم تدخل الخرطوم الا بعد نجاح تلك الثورات وخاصة ثورة ديسمبر ٢٠١٨م وابريل ٢٠١٩م وبتالى لابد من ان نتخلص من حملة السلاح او التمرد بكل مخاطره ومفاسده (قتل ودمار ممتلكات وتشريد ونازحين ولاجئين ومنهوبين ومغتصبين) ولكن إذا تجبر الحاكم وبطش وقتل وسفك واغتصب وسلب عبر عصابات يرعاه فلا نحرم الخروج عليه بحسن نية او بسوء نيه لا يكون هنالك خيار أمام ضحايا الاستبداد السياسى الا حمل السلاح وأما التستر والسكوت والاستسلام الذى يكرس الفساد ويؤله الحاكم ويعصمه من الخطأ هذا ليس من الدين فى شي.
* الدكتور محمد مختار الشنقيطي قال على مدى التاريخ لم نتحدث عن خروج وبغي الدولة على المواطنين لكن دائما نتحدث عن خروج المواطنين على الدولة (الخوارج) دون ذكر الأسباب.
* الخلاصة:.
كيف نبني السودان لكى يسع الجميع؟
السودان منذ استقلاله في يناير١٩٥٦م ظل بوضعه الذى تركه الاستعمار، بل الادارات الوطنية التى جأت بعد الاستعمار قامت فقط بتغييرات شكلية. ظلت الإدارة المركزية قائمة إلى يومنا هذا رغم تعدد انظمة الحكم وتغيير في الجيش وظل البنك المركزى كما هو ونشأت بنوك أخرى ومؤسسات مالية تخدم النخب وظل المنهج التعليمي يعبر عن انسان الوسط والخرطوم ملى بثقافة المركز، وتحولت المؤسسات من أداة لخدمة المستعمر إلى أداة لخدمة نخب صغيرة متمركزة فى الخرطوم والوسط والشمال. هذه النخبة بنت ثروتها ليس من الإنتاج بل من التحكم في الريع، قطن الجزيرة وصمغ كردفان ومواشى الاطراف والنفط فى كردفان واعالى النيل سابقا والذهب فى دارفور وفى مناطق عديدة فى السودان كل ذلك كان يتجمع في المركز الخرطوم ليعاد توزيعه كامتيازات ورواتب ووظائف وبيوت فاخرة للنخب، بينما الأطراف التي تنتج هذه الثروة ظلت بلا مدارس وبلا طرق وبلا مستشفى. هنا نشأ الانقسام الحقيقي بين مكونات الشعب السوداني وحملت الاطراف السلاح بحثا عن حقوقها.
الصراع ليس بين عرب وزرقة او أفارقة أو مسلمين ومسيحيين كما صورته الدعاية التى انتجتها النخب الرسمية الفاشلة، بل بين مركز يكدس الثروة ويمتصها ويستمتع بها وهامش ينتج ويهمش اكثر فاكثر. هذا الطريقة هى التى فجرت الحرب مرة أولى ومرة ثانية وثالثة واخيرا تفجر الصراع فى قلب الخرطوم مركز السلطه والقرار السياسي والاقتصادى، وهو سبب كل الحروب فى السودان من الشرق إلى دارفور وفى الجنوب سابقا والجنوب الحالى.
* المشكلة في بنية الدولة المركزية القديمة التى كانت تفرض هوية واحدة أحادية على مجتمع متعدد، وتستخدم الدين واللغة كأدوات لإقصاء الآخرين من عقد المواطنة وتبرير احتكارها للسلطة والثروة.
* حرب أبريل ٢٠٢٣م نشأت بسبب تمركز السلطة والثروة فى الخرطوم رغم أن مليشيا الدعم السريع تدين بدين المركز وتتحدث لغة المركز ولها ثروة مالية ولكنها استخدمت فى تفكيك واحتكار المركز لإعادة توزيع السلطة والثروة بشكل أفقي، بحيث تدار الموارد من حيث تنتج الهامش ويكون للمواطن في جبال النوبة أو البطانة أو دارفور وكردفان والنيل الازرق والنيل الابيض نفس امتيازات المواطن في الخرطوم.
* اذن لابد من بناء اقتصاد منتج لا ريعي يصب فى مصلحة النخب.
* اذن لابد من نقل المدن إلى الريف(الخدمات) أي إلغاء تلك الهوة المصطنعة التي تجعل الخرطوم مضاءة ومكتظة بالخدمات بينما الريف مظلم ومهجور.
* اذن لابد من علمانية الدولة وديمقراطيتها بمنتوج سوداني، ليس كعداء للدين، بل كشرط لتحريرها وميزة للدولة الحديثة في عالم اليوم فعندما تفرض الدولة دينا واحدا كقانون عام فهي عمليا تقول لجزء كبير من شعبها إنكم مواطنون ليس لكم حقوق دينية غير ان تدخلوا فى دين الإسلام ويظلوا مواطنين من الدرجة الثالثة، وبالتالي تسحب عنهم حقوقهم في الثروة والسلطة.
* اذن لابد من بناء هوية سودانوية تتجاوز القبلية، هوية قائمة على المصلحة المشتركة جميعاً.
* أن الدولة التي تبنى على إقصاء الاخر وهو اصيل فى السودان لا يمكن أن يستقر السودان، مهما بلغت قوته العسكرية والأمنية أو دعمه الخارجي، وبالتالي تخلق أعدائها في الداخل.
* أن استغلال الموارد الطبيعية وحدها لا تبني السودان من النفط والذهب يمكن أن تبني مدارس ومستشفيات ومصانع إذا تحول إلى استثمار منتج، ويمكن أن تبني قصوراً وجيوشاً خاصة ويمول بها حروباً أهلية إذا بقي ريعاً يتصارع عليه قلة من النخب والعسكريين ولكن يجب أن يوجه العائد فى الاقتصاد الأخضر المستدام.
* السؤال: كيف نبني دولة سودانية تسع الجميع؟ ليس بالشعارات بل بتوزيع عادل لما ننتجه من ثروة وما نملكه؟ الإجابة على هذا السؤال لا تزال هي المفتاح الوحيد لوقف هذه الحروب المستمرة في السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم!
* السودان بلد كبير مترامى الأطراف متعدد الديانات والمعتقدات والثقافات واللغات والاثنيات والعرقيات يحتاج لإدارة حكيمه تحقق العدالة والمساواة للشعب السوداني وهى جزء من الدين أو دين من دين وليس الدين كله نحن في حوجة ماسة لمشروع وطني يتفق فيه العلمانيين والاسلاميين واليساريين والقوميين الأفارقة واللادينين وكل مكونات الشعب السوداني وماينتج من ذلك المشروع فلنسميه علمانية سودانية Secularism Made in Sudan دون حساسية مع مصطلح علمانية او اسلامية. فالإسلام أشمل وأوسع من أى منتوج بشري المهم الاستقرار وإيقاف الحرب.
—————————————
سلسلة دكينيات تقدم التحليل الواقعي والخبر الصادق ولسان حال المظلومين والمكلومين دكتور عصام دكين

عصام دكين

أنا دكتور زراعي ضل طريقه إلى عالم السياسة الكذوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى