مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | العدالة أولاً في ظل الراهن السوداني

صوت الشارع

مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | العدالة أولاً في ظل الراهن السوداني

في خضم الأزمة السودانية الممتدة، وتداخل تعقيداتها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاوزه: ما هو المدخل الحقيقي لإنقاذ الدولة السودانية وإعادة بناء الوطن على أسس سليمة؟ وبين تعدد الرؤى والمبادرات والمشروعات السياسية، تبقى العدالة هي القضية المركزية التي ينبغي أن تتقدم على كل ما عداها.

فالعدالة ليست شعاراً سياسياً يُرفع في مواسم الأزمات، ولا مطلباً فئوياً يخص مجموعة دون أخرى، بل هي أساس الاستقرار وشرط بقاء الدولة نفسها. إذ لا يمكن بناء سلام دائم فوق مظالم قائمة، ولا يمكن تحقيق وحدة وطنية حقيقية في ظل شعور قطاعات واسعة من المواطنين بالتهميش أو الإقصاء أو غياب الإنصاف.

لقد عانى السودان لعقود طويلة من اختلالات عميقة في توزيع السلطة والثروة والخدمات والتنمية. وتراكمت هذه الاختلالات عبر الحكومات المتعاقبة حتى أصبحت سبباً مباشراً في اندلاع النزاعات المسلحة واتساع دائرة الاحتقان الاجتماعي والسياسي. ولم تكن الحروب التي شهدتها البلاد سوى نتيجة طبيعية لغياب العدالة بأشكالها المختلفة.

واليوم، بينما يعيش السودان واحدة من أخطر مراحله التاريخية، تتضاعف الحاجة إلى إعادة تعريف الأولويات الوطنية. فالمعركة الحقيقية ليست فقط معركة استعادة الأمن، بل معركة بناء دولة القانون والمؤسسات، حيث يخضع الجميع للمعايير نفسها دون تمييز أو محاباة.

إن العدالة في الراهن السوداني تتجاوز مفهوم المحاكم والعقوبات، لتشمل العدالة السياسية التي تضمن المشاركة المتكافئة في صناعة القرار، والعدالة الاقتصادية التي تكفل توزيعاً عادلاً للموارد والفرص، والعدالة الاجتماعية التي تحمي الفئات الضعيفة وتكافح الفقر والتهميش، والعدالة الانتقالية التي تعالج جراح الماضي وتمنع تكرار الانتهاكات.

ومن أكبر الأخطاء التي وقعت فيها التجارب السودانية السابقة التعامل مع العدالة باعتبارها ملفاً مؤجلاً إلى ما بعد تحقيق الاستقرار. بينما أثبت الواقع أن الاستقرار نفسه لا يتحقق إلا بوجود العدالة. فكل تسوية سياسية تتجاوز جذور المظالم أو تتجاهل حقوق الضحايا سرعان ما تتحول إلى هدنة مؤقتة تنتج أزمة جديدة أكثر تعقيداً.

كما أن العدالة تمثل حجر الأساس في استعادة الثقة المفقودة بين المواطن والدولة. فالمواطن الذي يشعر بأن القانون يحميه، وأن الفرص تُمنح على أساس الكفاءة لا الولاء، وأن الحقوق لا تُنتزع بالقوة بل تُكفل بالمؤسسات، يصبح شريكاً في حماية الوطن لا خصماً له.

وفي المقابل، فإن استمرار ثقافة الإفلات من العقاب يهدد أي مشروع وطني بالإخفاق. إذ لا يمكن الحديث عن بناء دولة حديثة بينما تظل الانتهاكات بلا مساءلة، والفساد بلا محاسبة، والحقوق رهينة لموازين القوة والنفوذ.

إن السودان اليوم يقف أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمواطنة وسيادة القانون، وإما أن يعيد إنتاج الدورات نفسها من الصراع والانقسام وعدم الاستقرار.

لذلك فإن الحديث عن إعادة الإعمار، أو التنمية الاقتصادية، أو الإصلاح السياسي، يظل ناقصاً إذا لم تُجعل العدالة أولوية وطنية مطلقة. فالعدالة ليست بنداً ضمن برنامج الإصلاح، بل هي الإطار الذي يمنح كل برامج الإصلاح معناها وقيمتها وفرص نجاحها.

وفي نهاية المطاف، لا تحتاج السودان إلى انتصار طرف على آخر بقدر ما تحتاج إلى انتصار العدالة على الظلم، والقانون على الفوضى، والمواطنة على الانتماءات الضيقة. فحين تتحقق العدالة، يصبح السلام ممكناً، وتصبح الوحدة الوطنية أكثر رسوخاً، ويصبح المستقبل أقل هشاشة وأكثر أملاً.

العدالة أولاً… لأنها ليست فقط الطريق إلى الاستقرار، بل هي الطريق إلى بقاء السودان نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى