مقالات وكتاب

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي | برلين… أزمة جيل أم عطب فكرة

صوت الشارع

مقالات وكتاب

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي | برلين… أزمة جيل أم عطب فكرة

ليس من الدقة أن نختزل مأزق السودان في أعمار قادته، كما أنه ليس من الحكمة أن نتجاهل ما صنعته السنوات الطويلة من تكلّسٍ في الفكرة السياسية. فالأزمة التي انفجرت في 15 ابريل من العام 2023 قادة البلاد الي حرب نتيجة اطماع اقليمية ودولية ،لم تكن وليدة لحظة، بل حصيلة عقلٍ سياسي ظلّ يدير الدولة بذات الأدوات، ويعيد إنتاج الخلافات بذات اللغة، حتى استنفدت السياسة كل فرصها، وفتحت الطريق للحرب.

في هذا السياق، يأتي انعقاد مؤتمر برلين بالأمس بوصفه امتدادًا للأزمة، السودانية المتفاقمة . فالقضية ليست في مكان انعقاد المؤتمر، بل في الفكرة التي حكمته: هل نحن أمام محاولة حقيقية لإعادة تأسيس العملية السياسية، أم مجرد إعادة ترتيب لنخبة لم تستطع، في الداخل، أن تُنتج توافقًا جامعا، فمضت نحو مغامرة فاشلة للاستيلاء علي السلطة بانقلاب ؟

المفارقة أن ذات التيار الذي ضاق يومًا بتوسيع المشاركة، واعتبرها إغراقًا للعملية السياسية، هو نفسه الذي قاد مسارًا انتقائيًا في الخارج ،بمعني الاصرار علي ذات الادوات والخلفيات الصراعية التي لا تنتج استقامة .

هذا التناقض لا يعكس فقط ازدواجية في المواقف، بل يكشف عن أزمة عميقة في فهم السياسة نفسها، حيث لا تُدار بوصفها عقدًا اجتماعيًا جامعًا، بل مساحة نفوذ يُتحكّم فيها بمن يشارك ومن يُستبعد. وفي المقابل، فإن رفض المؤتمر من قبل أطراف أخرى بدعوى غياب التمثيل الوطني، يظل موقفًا مفهومًا، بالنظر الي اهمية السيادة الوطنية وسودانية الحل بعيدا عن الوصاية الدولية. لكنه يظل قاصرًا إن لم يتحول إلى مشروع بديل قادر على جمع الداخل السياسي بكل تياراته ، لا الاكتفاء برفض الخارج.

هنا تبرز المسألة التي بدأنا منها: هل الأزمة في أعمار القادة، أم في أعمار الأفكار؟ الواقع يقول إن جزءًا معتبرًا من النخبة السياسية السودانية بات أسير ذاكرة مثقلة، بخلافات قديمة وتحالفات متقلبة وثارات مؤجلة. ومع مرور الزمن، تحولت هذه الذاكرة من خبرة تعين على الحل، إلى عبء يعطّل كل محاولة للتوافق. فلا أحد يقترب من طاولة الحوار إلا وهو يحمل تاريخًا يريد تصفيته، لا مستقبلًا يريد بناؤه. وحين تتحول السياسة إلى إدارة للماضي، تصبح الحرب، ولو بعد حين، احتمالًا مفتوحًا ،قابلا للتجدد.

لذلك يظل الرهان قائمًا على جيل جديد من الشباب، يمتلك رؤى متحررة من أعباء الصراع وإرث المرارات، بما يحمله من أفكار واعدة لإعادة بناء العملية السياسية والوطن على أسس مختلفة . المطلوب هو تحول عميق في طبيعة الفعل السياسي، من الإقصاء إلى الشراكة، ومن النخبوية إلى التمثيل الحقيقي، ومن رد الفعل إلى الفعل المؤسس، ومن إدارة الأزمة إلى صناعة الاستقرار. وهو تحول يُنتظر أن يتبلور عبر هذا الجيل، بإعادة صياغة القواعد التي تضبط المجال السياسي وتعيد تعريفه من جديد.

تصريحات د. كامل إدريس بالأمس خلال المؤتمر الصحفي حول غياب الحكومة عن مؤتمر برلين، ووصفه لذلك بالخطأ الفادح، تفتح زاوية مهمة، إذ إن أي عملية سياسية تُقصي الدولة أو المجتمع لا يمكن أن تنتج حلًا مستدامًا. كما أن أي سلطة ترفض الانخراط في مسارات السلام بدعوى نقص التمثيل دون أن تقدم مسارًا وطنيًا بديلًا، تظل جزءًا من الأزمة. وهكذا تتشكل معادلة معقدة: نخبة في الخارج تعيد إنتاج الانتقاء، وسلطة في الداخل ترفض دون أن تبني، وشعب يدفع الكلفة كاملة بصورة متجددة.

السودان اليوم لا يحتاج إلى مؤتمر جديد في برلين او غيرها بقدر ما يحتاج إلى عقل سياسي جديد، عقل يتحرر من إرث الصراعات الصفرية ، ويؤمن بأن التعدد مصدر قوة، وأن التوافق شرط بقاء. بلادنا التي عرفت كيف تنجو عبر تاريخها من فخاخ الخارج ، مطالبة اليوم بأن تتعلم كيف تنتصر، لا عسكريًا فحسب، بل سياسيًا وأخلاقيًا، بانتصار الفكرة على الارتجال، والمشروع على المصالح الضيقة، والمستقبل على أسر الماضي وخذلانه.

وبحسب #وجه_الحقيقة، تبدو الإشكالية في تقدّم النخب السياسية في العمر وتعثر تجددها، بما يحدّ من حضور الشباب في صناعة مستقبل وطن يتبدل تحت وطأة الحرب. ومع استمرار هذا الجمود في الفكرة والجيل معًا، ستظل “برلين” وغيرها مجرد محطات تتكرر في دائرة بلا أفق. ويظل السؤال قائمًا: هل هي أزمة جيل أم خلل في الفكرة ؟
دمتم بخير وعافية
الخميس 16 أبريل2026م Shglawi55@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى