وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي | الساحل السوداني… حدود القوة والتردد

صوت الشارع
مقالات وكتاب
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي | الساحل السوداني… حدود القوة والتردد
كشفت وكالة السودان للأنباء الخميس عن تلقي هيئة الموانئ البحرية السودانية عرضًا مقدمًا من شركتي “ترايدل تكنولوجي” و”ترست مارين” الهنديتين لإنشاء مربط بميناء عثمان دقنة بسواكن على ساحل البحر الأحمر، يهدف إلى توسيع الموانئ ورفع القدرة الاستيعابية وفق المعايير العالمية.
هذا العرض، يُعد مؤشرًا جيد على الاهتمام العالمي بالموانئ السودانية، ويضع البلاد أمام اختبار حقيقي : هل ستستثمر مواردها الجغرافية والسياسية أم ستظل مترددة، معرضة للابتزاز الخارجي كما جرى سابقًا؟
السودان يمتلك ساحلًا علي البحر الأحمر يمتد لنحو 850 كيلومترًا، ما يجعله لاعبًا محوريًا في منطقة القرن الإفريقي والممرات البحرية الحيوية، ومفتاحًا لسلاسل الإمداد العالمية. الحرب الإيرانية الأمريكية كشفت عن هشاشة في خطوط الملاحة البحرية، وأهمية المرافئ الآمنة أعادت ترتيب أولويات التجارة العالمية، وأظهرت أن الموانئ لم تعد مجرد أدوات اقتصادية، بل أصبحت أوراق نفوذ سياسية مهمة. وهنا يظهر السؤال الكبير: لماذا تظل حكومتنا مترددة أمام هذه الإمكانات الهائلة؟ ماذا تنتظر؟
من المعلوم أن الصراع على الموانئ السودانية كان جزءًا من ترجيديا الصراع و الأطماع التي فجرت حرب 15 أبريل 2023، وأسهمت في زعزعة استقرار السودان . ولذلك، طالما استمر التردد في اتخاذ خطوات واضحة نحو استثمار الموانئ والساحل، ستظل هذه الأطماع متربصة، وربما تعود في ثوب جديد من الضغط والابتزاز، وهذا ما يفرض على الدولة إدراك أن الفرصة لم تعد مجرد استثمار، بل دفاع عن القرار الوطني.
التفاهمات مع المملكة العربية السعودية أو دولة قطر في أوقات سابقة لتحديث وتطوير ميناء بورتسودان كمركز لوجستي إلى جانب العرض الهندي لتطوير ميناء سواكن، تمثل مؤشرات واضحة على أن العالم بدأ يضع السودان على رأس أولوياته التنموية. لكن نجاح هذه المبادرات يعتمد على قدرتنا على تحويل المشاريع إلى منظومة متكاملة تحمي مصالحنا الوطنية، وتعزز السيادة، وتمنحنا القدرة على التحكم في الشروط، بدلًا من أن تكون المشاريع مفروضة تتيح للآخرين التحكم في بلادنا.
لذلك المشكلة ليست فقط في الفرص الضائعة، بل في أن الموانئ أصبحت أدوات للنفوذ، وأي تردد في إدارتها يعني فقدان القدرة على التأثير الإقليمي. من يملك القدرة على المبادرة والتحكم في المشاريع، يملك جزءًا من القرار في المنطقة، ومن يتأخر، يصبح تحت ضغط الابتزاز والتحكم. هذه حقيقة يجب أن يفهمها كل مسؤول قبل أي تفاوض، لأن أي تأجيل لا يضيع فرصة اقتصادية فحسب، بل يفتح ثغرة سياسية قد تكلف السودان.
العرض الهندي برؤيته المتقدمة، يضيف بعدًا اقتصاديًا مهمًا، لكنه يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته إذا لم يُدرج ضمن استراتيجية وطنية شاملة تشمل ربط جميع الموانئ من بورتسودان إلى سواكن ضمن شبكة متكاملة قادرة على استيعاب كافة التحولات من الناحية الاقتصادية، يجب ربط أي تطوير للموانئ برؤية أوسع تشمل ربطها بقطاع النفط والزراعة والصناعات، وربطها بمشاريعنا الكبرى مثل مشروع الجزيرة، والاستفادة القصوى من الصمغ العربي وغيرها من الموارد الوطنية، لتعظيم القيمة المضافة، وضمان أن تكون الموانئ محورًا للنمو الاقتصادي المستدام، وليس مجرد مرافئ منفصلة تخدم أطرافًا خارجية أكثر مما تخدم الدولة.
اللافت أن ماضي استثمار الموانئ السودانية حافل بالكثير من الاشراقات إلا أننا نفتقد جرأة المستقبل. في الذاكرة السودانية، كانت الموانئ دائمًا بوابتنا للعالم، عرفنا بسواكن و بورتسودان. واليوم يتطلب استدعاء هذا النفوذ والحكمة القديمة، ولكن بروح جديدة: شراكات ذكية، عقود شفافة، ورؤية وطنية تضع المصلحة السودانية أولًا دون انغلاق أو تفريط. ليست القضية أن نفتح الساحل بلا ضوابط، ولا أن نغلقه خوفًا من الآخرين، بل أن نمتلك القدرة على التفاوض من موقع القوة، لا من زاوية الحاجة.
إذا نجحت بلادنا في توحيد رؤيتها، وربط الموانئ ضمن منظومة تنموية متكاملة، فسيتحول الساحل إلى محور قوة اقتصادي وسياسي يعيد رسم دوره في الإقليم والعالم. وإذا فشل، فإن الفرص الذهبية ستتحول إلى ذكرى ضائعة، تاركًا الساحل مفتوحًا أمام الأطماع والابتزاز الخارجي.
وهكذا بحسب #وجه_الحقيقة تظل المعادلة: الساحل الذي لا يُستثمر، يُستدرج ويصبح مهدد بالأطماع. وبين حدود القوة والتردد، تتحدد مصائر الدول. السودان اليوم أمام لحظة نادرة: إما أن يحول البحر الأحمر إلى رافعة تنموية واقتصادية، أو يتركه مساحة مفتوحة لصراعات الآخرين. وفي عالم لا يرحم المترددين، قد لا تكون الفرصة القادمة بنفس السخاء. فهل تلتقط الدولة خيط المبادرة، أم تظل تراقب تلاطم الامواج.
دمتم بخير وعافية.
الأثنين 13 أبريل2026م Shglawi55@gmail.com



