مقام العودة ( ٨ ) | عثمان عربي | مقام الابتلاء

مقام العودة ( ٨ ) | عثمان عربي | مقام الابتلاء
الابتلاء ليس صوت المدافع
بل رجفة القلب
حين يفقد ظله
في الطواف
تعلمت أن الحجر الأسود
ليس حجرا يقبل
بل عهدا يجدد
عند حائط
الكعبة
هو نقطة تماس
بين الأرض والسماء
بين ضعف العبد
وثبات الميثاق
فلما اقتلع قديما
على يد أبو طاهر القرمطي
ومن معه من القرامطة
لم يكن البلاء في الحجر
بل في القلوب التي سئلت بعده
أيبقى العهد إذا غاب رمزه
بقي البيت
وبقي الطائفون
لكن الغياب علمهم
أن المعاني تحتاج حارسا
وأن الحارس إن أُضعف
طمع العابرون
وهكذا السودان
لم يمتحن فقط في أرضه
بل في أهله
حتى صار أبناؤه يهيمون على وجوههم
كأن الريح أخذت عناوينهم
مدن كانت مأوى
صارت ذكرى
ووجوهٌ كانت مطمئنة
صارت تبحث عن ظل
وأخي…
طالته يد الابتلاء في القاهرة
حبس ظلما
مع أنه نظامي في إقامته
لا جرم له إلا أنه من وطن موجوع
هناك
فهمت أن الابتلاء ليس دائماً نارا ظاهرة
بل ضيقا في الأفق
واختبارا للصبر
حين لا يراك أحد
كما اقتلع الحجر
ولم تسقط الكعبة
اقتُلِع الأمن من قلوب كثيرين
لكن الكرامة لم تسقط
الابتلاء عميق
يمس الرزق
ويمس الأهل
ويمس المكان
يمس الحرية
لكن العهد أعمق
الجيش في صورته الجامعة
حارس معنى
قد يخطئ
وقد يثقل كاهله
لكنه قائم على باب الدار
والدار إذا انكسر بابها
توزع أهلها في المنافي
لسنا نعبد حجرا
ولا نقدس بشرا
لكننا نعرف أن للمعاني حراسا
وأن إسقاط الحارس
ليس إصلاحاً للبيت
الابتلاء الذي مس السودانيين
ليس تيها بلا غاية
بل تمحيصا قاسيا
هل يبقى العهد في القلوب
إذا ضاقت الأرض
من يهيم اليوم على وجهه
قد يكون أقرب إلى الله
ممن ظن نفسه ثابتا
فالحجر عاد إلى موضعه يوماً
لا بقوة الذين اقتلعوه
بل بثبات المعنى الذي لم يمت
وهكذا الأوطان
قد يتشرد أهلها
وقد يظلم بعضهم
لكن إن بقى العهد في الصدور
عاد الحجر
وعاد الحارس أقوى
وعادت الدار مأهولة
اللهم
كما رددت الحجر إلى موضعه
رد أهل السودان إلى ديارهم
وفك أسر المظلومين
واكتب لنا من هذا الابتلاء
صفاء لا كسرا
وثباتا لا تيها
وأعد إلينا عهد الأمان
كما كان…
وأجمل


