مشاهد العودة ( ٢ ) | عثمان عربي

مشاهد العودة ( ٢ ) | عثمان عربي
عدت بعد غياب كأنه منفى في أقصى المنافي زهاء ثلاث سنوات مرت كأنها ثلاثة قرون من العزلة والوجع عدت والهواء خلفي يهمس مرحبا بالغريب العائد إلى داره
لم أكن أدري أأنا العائد أم الظل الذي تركته خلفي فالبلاد التي تغيب عنها تتبدل والإنسان حين ينفى يتكاثر فيه السؤال
بدأت الرحلة من بورتسودان مدينة البحر والملح والموج حيث ينهض الصباح من قلب الميناء ومن هناك مضيت نحو أم درمان المدينة التي كلما دخلتها شعرت أني أعود إلى رحم قديم
كانت كما عهدتها طيبة كريمة متعبة كأم كثيرة الأبناء
في اليوم الثاني ركبت المواصلات العامة إلى الخرطوم كانت الحافلة كأنها صندوق الدنيا وجوه من كل الأطياف رجال بملامح تعب نبيل نساء بعينين فيهما لهفة وأمل وأطفال يضحكون كمن لا يعرفون أن في الخارج حربا
كنت أنظر إليهم وأقول في نفسي هذا هو السودان الحقيقي يبتسم في وجه الشقاء ويضحك في جنازة الفرح
سارت الحافلة وهي تهتز وترجف وكان الحرب قد اوجعتها ..كانت الرحلة كأنها مقطع من حياة الناس نفسها ترى فيها كل شيء شقاءهم وسعادتهم خصوماتهم وصلحهم مشاكساتهم وهمومهم الصغيرة التي تشبه الوطن في صغره وكبره
عبر شارع الوادي رأيته كلوحة قديمة غمرتها الشمس ضجيج الباعة صياح الركشات رائحة الشاي بالنعناع والقهوة بالزنجبيل و أصوات المسجلات والناس في عراك ناعم مع الحياة
قلت في نفسي يا لهذا الشارع كأنه مرآة لما كنا عليه زمن الخرطوم قبل أن تجرحها الحرب
ثم عبرنا نحو الشهداء ومن هناك إلى الخرطوم وهناك توقف الكلام في فمي تبدل المشهد. هناك يعتصر القلب اعتصارا فالدمار باد في كل زاوية كأن المدينة تبكي بصمت دموعك تنزل دون إذن منك لأن الخرطوم تلك الحسناء المهيبة بدت كمن أُهينت أمام عينيك حرائقها بادية لم تنطفئ وأنينها يتصاعد من بين الأنقاض……
الخرطوم بدت كعروس أُحرقت في ليلة زفافها الدمار يملأ الأفق لايفرق بين ينك ومتجر وبين قاعة ووزارة والرماد يلتصق بالجدران كوشم من الحزن كانت المدينة باهتة واهنة كأنها فقدت الذاكرة
وما إن رأيت المتحف القومي حتى انكسر شيء في داخلي ذاك المتحف الذي كان يحفظ تاريخنا كأيقونة من نور صار رمادا
تذكرت القاهرة وهي تفتح للعالم متحفها العظيم ونحن نحرق وننهب متحفنا بأيدينا
أي مفارقة هذه كيف لنا أن نبدل ذاكرتنا بالنار
فغلبتني الدموع ووقفت بصمت لا يشبه إلا صمت الأمهات حين يفقدن أبناءهن في الحروب
في السوق العربي كانت ستات الشاي يجلسن على الدكاكين الخربة وصالاتها كأنهن حارسات الزمن وجوههن تشبه النيل عند المغيب صبر ساكن وحزن عميق وكرامة لا تنحني رأيتهن يسكبن الشاي كما يسكبن العزاء في قلوب المارة
كل واحدة منهن مدينة صغيرة قاومت الخراب بكانون من الفحم وابتسامة حارة
وحين وصلت إلى عمارة الإخوة إلى مكتبي شعرت كمن يدخل بيت الطفولة بعد دمار طويل
المكتب غارق في الفوضى الأوراق مبعثرة على الأرض كأوراق خريف لم يجد من يكنسها الخزائن مفتوحة بفعل طلقة كلاش أو حجر نار المكاتب مقلوبة والملفات مكسورة الجناح
أضاءت شاشة هاتفي المكان بنورها الباهت فبدت الأوراق ككائنات صغيرةٍ تستغيث
بدأت أجمعها كما يجمع الأب أشلاء ذكريات من بيت محترق
قال لي خفير العمارة إبراهيم بصوت خفيض كأنه يخجل من الخبر
يا استاذ المكيفات نهبوها قبل أسبوع… والعمارة مفتوحة كل داخل وماشي
صمت ولم أجد ما أقول
عرفت حينها أن الخرطوم لم تنهب فقط في أشيائها بل في طمأنينتها في معناها في ذاكرة الناس
نظرت من بلكونة المكتب إلى المدينة كانت الشمس قد اشتد لمعانها مثل دم بلون الذهب يتلالا على جرح
قلت في نفسي
هذه مدينتي… ضعيفة الآن نعم لكن المدن مثل الأمهات لا يفقدن صبرهن علي لقاء ابنائهن
ثم أغمضت عيني كمن يصلي وسمعت داخلي صوتا خافتا يقول
ستنهض الخرطوم ولو بعد حين فالنار لا تاكل الرماد الطاهر والوجع إذا طال صار صلاة
عثمان عربي .الخرطوم

