الطريق إلى الخرطوم | عثمان عربي

الطريق إلى الخرطوم | عثمان عربي
في بورتسودان يهمس البحر بأسرار لا تقال
الموج يصعد كالدعاء ثم يعود خاشعا كأنه يعرف أن الأرض هنا سجدت طويلا من التعب وأن السودان كله يصلي بصمت منذ اندلاع الحرب
المدينة تبدو ساكنة ولكنها داخلها حزن مشتعل عما حدث بالفاشر ولكنها تغطيه بالدعاء لكنها في عمقها تضج بنبض خفي مثل صدر أم تحبس دمعتها كي لا يراها أبناؤها
منذ عدت وأنا أشعر أن كل ذرة رمل تعرفني
كأن الغياب لم يكن غيابا بل كان تمرينا على الشوق
عامان من التيه عامان من التنقل من مدينة الي اخري ومن بلد الي اخري احمل تعبي عدت بعدها لأجد أن الوطن لم يتغير بقدر ما تغيرت أنا
كنت أظن أنني أعود إليه فإذا بي أكتشف أنه هو الذي ظل ينتظرني عند باب القلب
غدا أسافر إلى الخرطوم
الطريق بين البحر والنيل بين الموج والطمي كأنه رحلة بين الصبر والإيمان
لا أعرف ما الذي ينتظرني هناك ربما مدينة تئن من وجعها وربما مدينة تعلمت أن تتنفس رغم الغبار
لكنّي أعرف أنني ذاهب إلى روح لا تموت إلى وطن يشبه وليا من أولياء الله مجروحا لكنه مبتسم مكسورا لكنه لا ينحني
أغمضت عيني الليلة وسمعت البحر يحدثني بصوت يشبه حنين قديم
البلاد لا تضيع ما دام فيها من يذكرها
فشعرت أن السودان ليس أرضا بل ذكرى إلهية تمر في القلب كلما ضاقت الدنيا
ذكرت وجوها غابت وأصواتا كانت تملأ حياتنا في الخرطوم
سلام أمي ودعاؤها عند شرب شاي الصباح ودعاء اخي المبارك بكري وانا اتهيأ للخروج وضحكة اخي عمر وقفشاته ورائحة المطر في شارع حينا و دفء الأيدي التي تصافحني دون وعد ولا خوف
كل تلك التفاصيل الصغيرة هي الوطن الحقيقي ليست في البيوت ولا في الشوارع بل في ما تتركه الأشياء في أرواحنا
أشعر أن الرحلة غدا ليست نحو الخرطوم بل نحو يقين جديد
ربما سأراها حزينة مثقلة بالغبار والذكريات
لكنّي سأراها أيضا أكثر نقاء كأن النار التي مرت بها كانت تطهرها لا تهلكها
فالبلدان مثل القلوب لا تشفى إلا بالاحتراق
وإن سألني أحدهم لماذا أعود سأقول
لأن في السودان شيئًا لا يقال بالكلمات
شيئا يشبه صلاة الحبوبات حين يقلن الله يصلح الحال
دعاء بسيط لكنه يفتح للروح نوافذ من النور
سأذهب غدا لا بحقيبة من الثياب بل بحقيبة من الحنين
وسأدخل الخرطوم كما يدخل العابد إلى مقام مقدس
أضع قلبي على ترابها وأقول في سري
سلام عليك يا بلادنا
ما زلت أنت انت وإن تغير كل شيء
عثمان عربي بورتسودان

