رابعة ابو حنة تكتب.. الهروب من الجحيم إلى الجحيم

رابعة ابو حنة تكتب.. الهروب من الجحيم إلى الجحيم
عاد آلاف السودانيين إلى الخرطوم ، بعد أن غادروها مجبرين ومرغمين، غادروها ولأول مرة يغادرونها دون حمل شنط او زاد او عتاد ، غادروها على أمل العودة السريعة، لكن هيهات فهم يقولون قول والقدر يقول قول تاني، لم يتوقع اكثر المتشائمين ان يعود للخرطوم بعد سنوات، سنوات لم تعد الخرطوم هي الخرطوم، ولم يعد الناس هم الناس ، كل شئ انقلب راس على عقب، اصبحت الخرطوم عبر عن جحيم ، عبارة عن مدينة كئيبة، مدينة اشبه بمدينة الأشباح، مدينة الموت ، مدينة الحزن ، مدينة الدم ، مدينة المرض ، لا مياه ولا كهرباء ولا حياة المنازل فارغة تمامآ، الأحياء اشبه بالمقابر، صمت مريب ، يحسسك إنك في جحيم وليس في وطنك ، ليس في بيتك، لكن هذا الاحساس وهذه العيشة رغم مرارتها كانت افضل مليون مرة من الغربة والهجران، فإن كانت الخرطوم الآن جحيم، فجحيم الغربة اكبر وأمر، لذلك كان خيار العودة خيار ضروري مهما كان مكلفا، فالاوطان مهما قست ، ومهما تمردت ، ومهما تجبرت، وتجبر ابناءها ، تظل هي الملاذ الأمن وهي الحضن الدافي .
ينتظر الخرطوم الكثير رغم عودة الناس السريعة الا ان هنالك بطء كبير في تقديم الخدمات ، وما زال القائمين على الأمر بعيدين عن ملامسة الواقع والعمل يسير بسلحفائية ، اغلب المناطق لما تصلها المياه والكهرباء، وما زالت حمى الضنك والملاريات تفتك بالمواطنيين وبارقام كبيرة جدآ مع نقص كبير في تقديم الخدمة العلاجية ، مع انعدام كامل للأمن في بعض الأحياء ، مما خلف سرقات ، بعد ان عادت ٩ طويلة لممارسة السرقة والنهب والقتل في وضح النهار وعلى عينك يا تاجر .



