شخصيات سودانيةود الرضي

شخصيات سودانية | : توثيق: رانيا فتحي صالح علي | المجاراة الشعرية بين إبراهيم العبادي وود الرضي

صوت الشارع

شخصيات سودانية

شخصيات سودانية | : توثيق: رانيا فتحي صالح علي | المجاراة الشعرية بين إبراهيم العبادي وود الرضي

المجاراة الشعرية واحدة من أجمل صور التفاعل الإبداعي في الأدب السوداني، وهي بتدل على روح الود والتنافس البنّاء بين الشعراء. في المجاراة، ما بيكون الهدف الغلبة أو الانتصار، بقدر ما هو إثبات للقدرة على تطويع الكلمة، والرد بذات الوزن والقافية، مع إضافة معنى جديد ونَفَس مختلف.

ومن أبرز الأمثلة في تاريخنا الأدبي، المجاراة الشعرية بين إبراهيم العبادي ومحمد ود الرضي، الاتنين البجمعهم حب الكلمة، وجرأة التعبير، وذكاء صياغة الصور الشعرية. في حوارهم الشعري، بنلقى لمحات من الغزل الرقيق، والحكمة البالغة، وأحيانًا إشارات اجتماعية بتعكس حال الناس وزمنهم.

اللقاء الأول: امتحان القافية الصعبة

حين قدم ود الرضي إلى الخرطوم وأم درمان، التقى بالشاعر أحمد حسين العمرابي، الذي اصطحبه بدوره إلى إبراهيم العبادي. ومن هناك انفتح أمامه باب الدخول إلى مجلس الشعراء.

غير أنّ هيئته في ذلك اليوم ــ وقد ارتدى العراقي والتوب ــ أثارت دهشة الحاضرين؛ لم يعرفوه، واستهجنوا مظهره، حتى أطلقوا عليه مازحين اسم: “العريبي أبو توب”، وكأنهم يستبعدون أن يكون شاعرًا حقيقيًا.

ولكي يختبروا شاعريته، قال أحدهم للعبادي: “الليلة نُبارزه في حضرتك.”
ابتسم العبادي، وقد كان واثقًا منه وقَبِل التحدي. ثم التفت إلى ود الرضي وطرح عليه امتحانًا عسيرًا: أن يجاري أبياتًا مقفّاة بحرف الزاي المكرّر، وهو من أصعب القوافي في الشعر.

العبادي قال:

عَكّت جات تَميل من خَزازَهْ
زَيَّنت الخِلقة دابْ ما حَسَبْن بَزازَهْ
دارَت ليها دارُوهُ الفي الرِّزم زازَهْ
شُفنا الدِقَّه والزَّرزور فَصَل حَزازَهْ

فأجابه ود الرضي:

قادَة عَزيزة زُرّاقه زَوالنا جِيده قَزازَهْ
صارت تَعتَرينا جِنان وصِرنا جَزازَهْ
صِرنا كَزي زَوال والعَقل ذاب واتِّزازَهْ
زارت الزَّمّ زُبرُجده من فَميله عَزازَهْ

بهذه الأبيات، أثبت ود الرضي قدرته الفائقة على تطويع القافية الصعبة، وأدهش المجلس ببيوت أطول وأغزر صورًا، كأنما يقول: “أنا لست شاعرًا عاديًا، بل جاهز للميدان.”

✨✨✨✨✨

المديح والمودة المتبادلة

لم تتوقف المجاراة عند امتحان القافية، بل امتدت إلى ميادين أخرى، منها المديح والإشادة بالصفات الكريمة. في مجلس آخر، أنشد العبادي أبياته مادحًا، فجاء رد ود الرضي معززًا المعنى ومكمِّلًا له:

العبادي قال:

تِسلم لينا إيدَك ورَحلك الما بتِسعَى
غير طُرُق المَعالي وتَبرَى من اللَّسعَه
يا سِيدي الإمام جيب الرُّسُل من يِسعَى
ويَا الفاروق تَعال أُتْ والمعاك التِّسعَه

ود الرضي أجاب:

أخلاقَك سَليمة وخالية من الخِدعَه
ورّيتنا الفَرق وسبقت جيلَك جَدعَه
تِسلم لينا رِجلك وتِبرَى من القِطعَه
يا نَسل الكرام الما بِسوّوا البِدعَه

✨✨✨✨✨✨

مجاراة في الغزل

لم تخلُ المجاراة بين العبادي وود الرضي من بُعد الغزل ووصف الجمال، حيث كانا يوظفان الصور الشعرية البديعة لإبراز العاطفة والدهشة. في إحدى المجالس، أنشد العبادي:

العبادي قال:

تبكيك الحفل يا مَهرة العرضة
متأسف عليك يا الفي البنات فَرْضة
الشايب العَفِن وما كِلّو الأرْضة
كيف تَدّيه بَتّك وبيه كيف تَرضى

فجاء رد ود الرضي أكثر رقةً وامتلاءً بالصور:

ود الرضي أجاب:

كان ما الدهر عاكسنا عائد وضام
الجسم الرطيب كيف ميلو بالعضام
الخشم السكوت الحاشي مو نِضام
مو ضمامة يا الإخوان يضمو الضام

بهذه المجاراة، يظهر براعة كل منهما في تصوير المشهد العاطفي بطريقة حية، مع الحفاظ على الوزن والإيقاع الشعري.

✨✨✨✨✨✨

المجاراة في سياقها السوداني

المجاراة الشعرية ما ظهرت فجأة مع العبادي وود الرضي، بل هي امتداد لتقليد قديم في الثقافة السودانية. فالدوبيت والمساجلات القبلية كانت ميادين يتبارى فيها الشعراء منذ أزمان بعيدة، يتبادلون الأبيات ارتجالًا، ويُظهر كل واحد منهم براعته في سبك الكلمة وسرعة البديهة. جاء العبادي وود الرضي ليحملوا هذا الإرث إلى فضاء المدينة، ويضفوا عليه طابعًا جديدًا يجمع بين الأصالة وروح الحداثة.

✨✨✨✨✨✨

خلاصة

المجاراة بين العبادي وود الرضي مثال باهر على التفاعل الخلّاق في الأدب السوداني. لم تكن مواجهة بين خصمين، بل لقاء بين صديقين جمعهما الشعر، ليتركا لنا إرثًا حيًّا من جمال الكلمة، وبهاء الصورة، وروح المنافسة الودودة التي ترفع ولا تُقصي.
✨✨✨✨✨✨

𝓡𝓪𝓷𝓲𝓪
محٍبَة وُموُثقٌة لُِلُِفُن آلُِسوُدِآني آلُِقٌدِيم
10/9/2025

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى