العودة….الهدنة ( ٣ ) | عثمان عربي

العودة….الهدنة ( ٣ ) | عثمان عربي
العودة تبدأ بصمت
كأنك طفل صغير يفتح عينيه على العالم للمرة الأولى
الشارع مألوف وغريب في آن واحد
كل ركن يهمس باسمك وكل زاوية تختبر خطواتك
تضع قدما تتردد تتعلم أن الأرض صلبة لكنها تستجيب للمشي
الكلمات تتسلل من فمك بحذر
تجرب كل جملة كل سؤال كل مخاطبة كأنك تتعلم الكلام ثانية
لا أحد يسارعك ولا أحد يراقبك إلا أنت ونفسك
المحاكم تصبح مسرحك الأول ساحات التجربة الأولى
الوغي هنا ليس بالضرب أو الصراخ
إنه بالكلمة المحكمة بالحجة الدقيقة بالوعي المستتر خلف الصمت
كل قضية تعرض أمامك كل مستند كل كلمة
تعيد تشكيل علاقتك بالعالم وتعيد تعريفك لنفسك بعد طول غياب
الهدنة النفسية هي أن تتعلم الانتظار
أن تعترف أن كل خطوة تحتاج وزنا
وأن كل سقوط ليس هزيمة بل درس
كل نجاح صغير احتفاء داخلي
كل محادثة هادئة إعادة بناء
كل استماع صبر وكل موقف محاكمة تدرب للروح
الطفل الذي في داخلك يختبر حدود العدالة
يتلمس القانون بعينيه بيده بقلبه
يكتشف صدق القواعد ويعيد اكتشاف الناس الذين ظنوا أن غيابك هو نهاية الحكاية
الهدنة هنا ليست مجرد صمت أو توقف عن الحركة
بل حضور متأن حضور كامل
أن تسمع قبل أن تتكلم أن تزن قبل أن تحكم أن تعطي نفسك مكانا قبل أن تعطي الآخرين حقهم
وأن تعرف أن كل خطوة في هذه الساحات
هي مشي جديد تجربة جديدة لحظة جديدة لتعلم معنى العودة
وفي المساء حين تنحسر الضوضاء
تشعر أن السلام ليس في نتائج القضايا
بل في اللحظة التي تتوقف فيها عن التوتر
وفي القدرة على رؤية نفسك كما أنت
ورؤية الآخرين كما هم
ودون أن يتحول الغياب الطويل إلى مرارة دائمة
الهدنة النفسية ليست خيارا
إنها مساحة ضرورية
مساحة بين ماضيك وحاضرك
بين الخوف والأمل
بين الغياب والعودة
كل خطوة كل كلمة كل تفكير
هو مشي صغير محاولة جديدة بداية ثانية
كطفل يتعلم المشي في نهر الحياة العميق
عثمان عربي

