الشماااااار. | في السودان. | عثمان عربي

الشماااااار.
عثمان عربي
في السودان لا أحد يغيب تماما…
قد يغيب الجسد تتأخر الخطى تبتعد الهواتف وتغلق الأبواب
لكن الاسم
الاسم يبقى مثل عود الطيب في ثوب قديم يفوح كلما مرت عليه نسمة حنين أو شهوة ونسة
الناس هنا لا يخلون المجالس من الغائبين
بل يفرشون لهم حضورا من الكلام
يحضرونهم بأحاديث تسكب كما يسكب الشاي على نار هادئة وبحديث لا يعرف الحرج
لا أحد يستأذن قبل ذكره
فالغياب هنا ليس حصانة بل دعوة مفتوحة للتأويل والتحليل والتذكر… وربما شيء من القصاص
يبدأ الأمر كأنه صدفة
والله يا جماعة فلان دا ليهو زمن ما شفناهو…
ثم تسري الهمهمة كما يسري المطر الخفيف على سقف الزنك
كلام يتهامس ثم يعلو ثم يتحول إلى جلسة حقيقية… لا يوزع فيها الشاي بل يوزع فيها الغائب
يقسمونه إلى مواقف
يحكونه كأنهم يحكون قصة سمعوها في إذاعة بعيدة
كلّ يضيف نكهته بعضهم بالسكر وبعضهم بالفلفل
ليس شماتة… ولكنها ليست رحمة أيضا
إنه ذلك النوع من الذكر الذي يشبه الغزل المبطن بالعتاب أو النقد المغلف بالذكريات
الناس هنا يحبون بعضهم بطريقة خاصة
يدلون على الغياب بالكلام
كما يدلى القنديل في الظلام ليس لفضحه
بل لاضاءة ما لا يقال
وفي أعماق كل هذا
ليس هناك نية لإدانة
بل نوع من التواصي الغريب
كأنهم يقولون لبعضهم لا تبتعد كثيرا لأننا لن نصمت عنك…
في السودان الغائب ليس منسيا
بل موضوع قيد المراجعة المستمرة
ملف مفتوح على طاولة القلوب تقلبه المجالس بين الحنين والتندر
والشمار
لا يسمونه بهذا الاسم في البداية
لكنه يتسلل مثل نسمة عصاري
ثم يستوي كما تستوي الكسرة على الصاج
هشا ساخرا لكن لا يخلو من حرارة
وفي لحظة ما
وأنت جالس هناك تضحك على ما يقال عن الغائب
قد تدرك فجأة أنك أنت أيضا… مشروع سيرة مؤجلة
وأن الكراسي التي احتضنتك يوما ستحتضن اسمك ذات مرة
وأن الضحكات التي تشاركها اليوم قد تصبح غدا تعليقات على تفاصيلك الصغيرة
لكن لا بأس…
هكذا نحن نحب من نذكر ونبقي على من نغتاب…
فليس كل الغياب نسيانا
ولا كل الكلام جرحا…
بعضه فقط محاولة بدائية للوصل حين يعجز القلب عن السؤال
عثمان عربي ..

