المسرح كمعالجة للأطفال في زمن الحرب .. إعداد/ هيثم الطيب

كتاب (المسرح كمعالجة للأطفال في زمن الحرب)..
إعداد/ هيثم الطيب
+ مدخل تعريفي :-
أعمل أنا / هيثم أحمد محمد الطيب الناقد والمدرب المعتمد في مجال إدارة التنوع الثقافي والمسرح التفاعلي على مشروع (المسرح كمعالجة حقيقية للأطفال في زمن الحرب)،التجربة منهجها عمل مسرحي كمي ونوعي يقوم به أطفال كانوا داخل مناطق الحرب لمعرفة التعقيدات النفسية والجسدية التي تحدث لهم..
+ بداية العمل:-
البداية من ناحية مسرح كانت ناجحة جداً، ،الأطفال كانوا واقفين في مسرح ويعملون عرضا مسرحيا من تفاصيلهم اللغة والحركة والتجسيد وكل الأبعاد التمثيلية هذه الفكرة صنعت فينا خوف حقيقي لأن كل الأطفال أولاد وبنات قاموا بتجربة ناجحة بالمعيارية المطلوبة لكن كان هناك حكي قاتل جداً لتفاصيل الحرب، العقل الراصد والذاكرة الكاملة كانت متحركة، توزيع الحكي بينهم، تحريك التجربة هنا وهناك،الخوف..
اكتشفنا أن خيال الأطفال متوقف، كلهم يحكي عن حاجات عاشها أو سمع بها أو كان جزء منها، فقط الخيال الذاتي كان في خط صفر، غائب وهذه مشكلة في تنشئة الأطفال أن يكون الخيال منهزم في حياتهم وهذه سن يفترض أن يكون عريض ومتحرك بقوة..
خيال الحكي:-
هذه الملاحظة قادت تفكيري إلى استنتاجات منها أن الحرب والنزاعات المسلحة تقتل خاصية تحفيز خيال الحكي عند الأطفال، الطفل يكون في محاصرة من كل مافي الحرب، وهذا يعمل سيطرة على حركة الحكي عندهم، ويحولها فقط لطاقة حكي وهنا الطفل يتحول إلى مجرد كاميرا،وهنا أظن وقعنا في نتيجة صعبة تحيط بأطفالنا وهم فاقدين طاقة حكي من خيال متحرك عندهم، فقدنا أهم صفة عندهم، حكاياتهم من خيالهم، الحرب عملت إزالة كاملة لخاصية الخيال حتى في الحديث عنها وصنعت منهم مجرد كاميرات تحكي عن سمع ورؤية عيون فقط..
+ المعالجة:-
رأيت ضرورة المعالجة مع الأطفال وتحفيز خيالهم في العرض المسرحي خاصة وأن الحرب عندها سيطرة كاملة على العقل والقلب والخيال، الأطفال في العرض المسرحي يمارسون حكي عن الحرب، جزء من حياتهم اليومية، وهناك احتمالات كثيرة عندهم، رفض الحرب متحرك عندهم طبعاً، لكن لأن مركزية الخيال ضعيفة يكون الناتج في العرض أيضاً ضعيف في هذه الناحية.
وكجزء من المعالجات حاولت توجيههم للتركيز على ناحية أن هناك من يرغبون في وقف الحرب،الفكرة الجديدة تشتغل على تحريك حياة الطفل نحو قيمة الإحساس بناس أخرى غيره، الناس ، وعلينا أن نتكلم عنهم، وهنا مؤكد خيال الطفل سيبحث عن حاجات كتيرة مرتبطة بفكرة هؤلاء الناس، ونجح المنهج معاهم، وشرحوا رأيهم في العرض المسرحي،مع أطفال الحرب لابد من قوة حقيقية حتى تدخل لهم أفكار غير صورة الحرب المسيطرة عليهم.
المسرح أداة ناجحة لأن الخيال فيها وصناعته في اتجاه جديد يدخل على الطفل وتفكيره وتحفيز خياله،وخيال يتحرك برأي خاص جداً بالطفل حول الحرب، بدون قمع وأن تمشي به لفكرة تريدها أنت فقط تناقش مثلاً حاجة كبيرة وتفكيكها بعملها لوحده، عقل الطفل يعمل بعد النقاش الحقيقي، وتحفيز قول الرأي منه والخيال مرتكز أساسي..
مشروعي أقاوم عبره الحرب بالطريقة التي يعرفها ورغم أهميته وايماني به إلا أن ثمة معوقات كثيرة كنت أكتبها كملاحظات علي صفحتي بالفيس بوك وانا أمضي في عملي :-
في مشروعنا هذا رغم نجاحاتنا نظرية وتطبيق ومنهج،واحساسنا أننا قاومنا الحرب بالشكل الذي نعرفه ونمارسه،ودرسناه،شكل المسرح والمعالجة كلها، إلا أن هناك شيء مؤلم جدا عشناه بقوة وهو تناقص الروح الايجابية عند الناس لدرجة خرافية،والخوف من أي فعل ايجابي وهواجس كتيرة محيطة بهم ،بسبب الحرب،خوف من كل شيء ومن كل شخص، ومن كل فكرة ورافضين حتى أن نشرح لهم والإجابة دائما يقولون (هذه الأشياء يمكن أن تفهم عند السلطة بشكل خاطيء،ثم نضيع نحن..)!!
في سبيل حماية الأطفال من اضرار الحرب اجتهدت لكسب ثقة أهل الأطفال : عملنا مشروعنا هذا ونحن متفقين مع الأسر أن لايكون هناك أي شكل من أشكال التصوير أو التوثيق وأوفينا بوعدنا لهم وهذا شجع أعداد إضافية تدخل أطفالها في مشروعنا،بعد أن وصلهم إحساس أننا نريد عمل شيء مفيد لهؤلاء الأطفال وليس لنا غرض خاص..
وأرى أن للخوف مبررات وأسباب موضوعية ونتاج الهواجس الكتيرة التي تشتغل فيهم بسبب الحرب يمكن أن تعمل أكثر من ذلك : شك متواصل في إي شيء ،خوف من اقتراب أي شخص لهم وحتى لو لديه مشروع إنساني..
قيمة الهواجس الكتيرة هذه نستطيع ان نهزمها اذا عملنا جميعا كلنا بالطريقة المريحة جدا لهم،بالطريقة المرسومة منهم، ومن رأيهم،وهذا كان مدخلنا ونقطة نقطة وصلنا بالثقة لمدى عالي جداً..
الحرب تقتل أي صوت إيجابي،تملأ العقل والروح بهواجس طولها طول النيل القديم، لكن بعد الاستماع لهم والعمل بطريقتهم سيعمل على تفكيك كامل لدنيا الهواجس المتعددة والمنتشرة والقاتلة.
ومشروع المسرح كمعالجة حقيقية للأطفال في زمن الحرب، حريص جدا على حضور أمهات الأولاد والبنات وان يكونوا جزء من عملنا،والغرض الحقيقي كان أن أدخل طمانينة كاملة عن مشروعي وأن تكون كل أم مطمئنة ،واثقة في عملنا الايجابي ..
مشروعي تجريبي لعمل منهج،وبعد نجاحه نظريا وتطبيقيا هنا نعمل تجربة ثانية وثالثة إلى أن للفكرة كاملة،ويكون لدينا منهجا علميا (نظري وتطبيقي)، يكون جزء من معالجة سلبيات الحرب كلها..
على ماذا يقوم مشروعي:-
مشروعي يقوم على عمل كتاب عملي ليكون جزء من عمل الجهات ذات العلاقة بمعالجة آثار الحرب في المدارس المختلفة ، برامج العمل التطوعي ،وغير ذلك..
كتاب يكون جزء من مناهج العمل في مجال التعليم والمسرح التفاعلي، ليشكل حلولا جذرية وعملية في مناطق الحرب..
أطمح بأن يكون ذلك الكتاب حقيقة وفعل وممارسة بعد التجربة العملية هذي، كتابا في كل مكان مشتعلة فيه الحرب ليكون الشمعة التي تضع المعالجة للأطفال في زمن الحرب عبر المسرح التفاعلي للأطفال..


