تغيير العتبة.. هنا يبدأ الشفاء عثمان عربي

تغيير العتبة.. هنا يبدأ الشفاء
عثمان عربي
في البدء…
لم تكن الغربة سوى خطوتين خارج العتبة
والعتبة لم تكن حجرا… كانت شقوقا في الروح
تتسلل منها الريح
وتقيم فيها الهواجس كما تقيم الحرب في البلاد بلا موعد بلا اعتذار
أحيانا…
لا تكون العودة إلى الوطن خيارا
بل تكون النجاة الأخيرة بعد أن ضاقت بك سفن الأرض وضاقت فيك نفسك
عام وشهور اخري في الغربة متقطعة الاتفاس
كنت أمد يدي كل صباح إلى جيب قلبي
أبحث فيه عن شيء يشبه الطمأنينة…
فلا أجد سوى أوراق مؤجلة وأحلام تتقشر كطلاء جدار قديم
الغربة ليست أرضا جديدة
هي امتداد لوجع قديم…
لكن بطعم مختلف بنظام مختلف بوجوه لا تشبهك
بعيون لا تسأل عنك
وبقهوة لا تشم فيها رائحة الوطن
في السودان
الضنك ليس مرضا يزور الجسد ويرحل…
إنه مقيم كالحرب كالعجز كالأمنيات التي ظلت تطرق أبواب الجهات ولا تفتح لها نافذة
الناس هناك لا تصاب بالحمى…
الناس هناك صارت هي الحمى
ينامون على صفيح الأسى ويستيقظون على نشرة أخرى من الغياب
فكرت…
هل أظل هنا أعد الأيام كما يعد المريض أنفاسه قبل أن يغمى عليه
أم أغير العتبة
لكن هذه المرة ليست من الوطن إلى الغربة
بل من الغربة إلى وطن ما زال مكسورا… لكنه يشبهني.
نعم، سأعود…
أعود
لأكون رزقا لوطني
لا عملا… بل أثرا
لا مرتبا… بل بصمة
أعود
كي لا تموت فينا الشجاعة… أن نبدأ من جديد
ولو كنا نحترق بحمى الحنين
أعود لا لأن الطريق معبدة
بل لأن قلبي تعب من المشي في طرق لا تؤدي إلي نفسي
سأعود…
لا فقط لاجد عملا
بل لأبحث عن معنى جديد للوقوف في البلد الذي زرعني أول مرة
حتى لو صار اليوم أرضا لا تحفظ زرعا
فإنني على الأقل أعود إلى التربة التي تعرف إسمي من قبل أن يكتب في الجواز
الغربة تعطيك الخبز
لكنها لا تطعمك الطمأنينة
تعطيك المال
لكنها تسحب من قلبك ملامحك الأصلية
تجعلك نسخة محسنة من شيء لا تعرفه
أعود
لا لأني وجدت الفرصة بل لأنّي لم أعد أحتمل الفراغ
أعود
لا لأن الوطن صار أفضل
بل لأني صرت أكثر شوقا لأن أكون فيه ولو حجرا صغيرا في زاوية الضوء وليس ضوءا في اخر النفق يسحب كرامتك
في بلدي الحمى تتصبب نعم
لكن فيها أيضا ظل شجرة ما زال ينتظرني
ورائحة تراب أعرفها كرائحة عطري
سأغير العتبة…
لكن هذه المرة ليست من الوطن إلى الغربة
بل من الغربة إلى الوطن
ولو في جسد محموم ولو في بلد متصدع
فلعل تحت الأنقاض نبتة صغيرة…
تنتظر فقط من يرويها بالعزم
وفيها عتبة…
ليست حجرا… بل ذاكرة
سأضع قدمي عليها
وأهمس في سري ربما من هنا يبدأ الشفاء
عثمان عربي


