مقام العودة ( 6 ) | عثمان عربي | اقدام الصابرين

مقام العودة ( 6 ) | عثمان عربي | اقدام الصابرين
اليوم اعتمرت
وكان اليوم اثقل من جسدي واوسع من قلبي
دخلت الى المسجد الحرام كأنني ادخل الى قلب العالم لا الى بنائه
وكانت الكعبة المشرفة واقفة في الوسط مثل يقين لا يتزعزع فيما نحن ندور حولها كأعمار تبحث عن مركزها
في الطواف شعرت انني لا ادور حول بيت من حجر بل حول معنى الثبات في زمن الانكسار
كل شوط كان يشبه رحلة نزوح اخرى دائرة من القلق لا تنتهي وخطوة تتلوها خطوة ونحن نحمل بيوتنا في صدورنا لان الارض ضاقت بها
الناس من حولي يمضون في نسق واحد لكنني كنت ارى في كل وجه حكاية كرب
كأن الطائفين ليسوا غرباء بل قوافل بشر خرجوا من مدنهم مثقلين بالخوف يحملون اطفالهم واسماءهم وذكرياتهم ويبحثون عن مأمن لا تبلغه القذائف
الطواف يشبه النزوح
تدور ولا تدري متى يستقر بك المقام لكنك تمضي لان التوقف يعني الانكسار
ثم جاء السعي
بين الصفا والمروة كان التاريخ يمشي معنا لا خلفنا
هنا سعت هاجر لا رياضة ولا طقسا بل خوفا على وليد يذبل عطشا تحت شمس لا ترحم
كانت تركض لان البكاء لا يسقي طفلا
وتلهث لان الامومة اقوى من التعب
وتعود لان اليأس ليس خيارا حين يكون في حضنك حياة
وانا اسعى اليوم كنت ارى في خطواتي خطوات كل ام نزحت بوليدها من بين الركام
تعدو بين خيمة واخرى
بين معبر مغلق وطريق محفوف بالذعر
تبحث عن قطرة ماء عن بطانية عن خبر لا يحمل الفاجعة
السعي ليس حركة بين جبلين
بل ترجمة للخوف حين يتحول الى فعل
هو اعلان ان القلب مهما ارتجف لا يتوقف عن المحاولة
كما ركضت هاجر سبعا
يركض النازح سبعين مرة في يومه
من صف الاغاثة الى ظل حائط
من شائعة امان الى حقيقة فقد
لكن كما انفجر الماء من تحت قدم الرضيع
تفجر الرجاء من تحت اقدام الصابرين
حين حلقت شيئا من شعري شعرت انني اخلع بعض اوجاعي
كأن العمرة لم تكن انتقالا في المكان بل غربلة في الداخل
تسقط القشور ويبقى اللب
عبد ضعيف يعرف ان له ربا يرى
في الزحام لم اشعر انني وحدي
كلنا كنا نحمل شيئا لا يرى
بلادا مثخنة
بيوتا صارت ذكرى
احبة غابوا فجأة كما يغيب الضوء
لكن وسط هذا كله كان البيت قائما
وهذا القيام رسالة
ان الحق مهما حاصرته الفوضى لا يسقط
وان الدائرة مهما طال دورانها تعود الى مركزها
خرجت من مكة المكرمة وانا ادرك ان العمرة ليست هروبا من الكرب
بل مواجهة له بقلب اطهر
الطواف علمني ان اظل ادور حول اليقين لا حول الخوف
والسعي علمني ان اركض نحو الرجاء ولو كانت الارض قاحلة
وقصة هاجر علمتني ان النزوح مهما طال لا يلغي وعد الماء
اليوم اعتمرت
لكنني في الحقيقة تعلمت كيف اكون ابا للرجاء
وكيف اكون وطنا صغيرا للصبر
وكيف اؤمن ان بعد كل سعي زمزم


