مقام العودة (1) | عثمان عربي | الطريق الي الله

مقام العودة (1) | عثمان عربي | الطريق الي الله
عدت إلى الخرطوم لا لأعد خساراتي ولا لأعلق أوسمة النجاة على صدري
بل لأجلس على عتبة الروح وأقول لها كفى بكِ هروبا… تعالي نبدأ من الداخل
كانت الخرطوم لا تغتسل فقط…
بل كانت تقوم من بين نهرين كأنها تتوضأ بالقدر
تجمع بين ذاكرة الألم وبشارة البدء
تشد على قلبها كما تشد الأم على يد طفل يتعلم المشي من جديد
فالخرطوم كانت تعيد ترتيب روحها عند ملتقى الماءين
كأنها تعرف أن المدن مثل البشر
تشفى حين تلتقي بأنفسها
الخرطوم ليست مدينة في النص
بل قلب المشهد
هي نقطة التقاء الألم بالأمل
والخراب بالبشارة
والعودة بالبداية
كانت أم درمان تمشط ذاكرتها بنسيم الامل وكانت بحري تغسل وجهها بنورخافت يشبه الوعد
البيوت الصامدة لم تكن حجارة بل صدورا مفتوحة للسماء
والشوارع المتعبة لم تكن أطلالا بل سبلا تتدرب على النهوض
هنا بين الخراب والسكينة
تعلمت أن الألم ليس نهاية الحكاية
بل بوابة سرية يعبر منها النور.
أربعة أشهر وأنا أتحاور مع الخراب
لكنه لم يغلبني
كنت كلما نظرت إلى حائط متصدع
رأيت فيه شيئا يمر منه الضوء
أدركتُ أن العالم حين يركض خلف الاوهام
يفقد بريقه
وأن الجشع ليس قوة بل خوفا متنكرا
وأن العدالة تبدأ حين يعيد الإنسان ترتيب قلبه
قبل أن يعيد ترتيب القوانين
كنت أجمع طاقتي كما يجمع العابد أنفاسه قبل التكبير
أعيد ترتيب روحي كما يعاد صف المصلين
وأهمس لنفسي
القوة ليست فيما تملك
بل فيما تسترده من ذاتك بعد كل سقوط
الصبر لم يعد فكرة جميلة تقال في المواسم
بل صار تدريبا يوميا على الإمساك بالنفس
حين تغضب
وعلى اختيار الطريق الأطول
حين يغريك الاختصار
والإيمان
لم يعد شعارا
بل ماء داخليا
كلما لامس أرض القلب
أنبت فيها خضرة لا تراها العيون
لكن تشمها الأرواح
أدركت أن الطريق إلى الله
لا يبدأ من المسافة
بل من المرآة
من لحظة الصدق الأولى
حين ترى نفسك كما هي
وتحبها بما يكفي لتغيرها
وهأنذا أتهيأ لرحلة جديدة
لا كمن يهرب من مدينة
بل كمن يحملها في دعائه
هناك حيث الكعبة تفتح صدرها للوافدين من التعب
وحيث تقوم الأرواح كما يقوم الفجر بعد أطول ليل
سأمشي بخطوات خفيفة
كأن الأرض تعرفني
وكأن السماء تنتظر اعترافي الأخير
سأدخل الصيام كما يدخل العاشق في صمته
وأقوم الليل كما يقوم من وجد ضالته
وأعتمر بقلب يريد أن يغسل لا أن يرى
ليست الرحلة انتقالا من مكان إلى مكان
بل انتقال من خوف إلى طمأنينة
من ضيق إلى سعة
من ذات متعبة
إلى روح تعرف أن البداية ممكنة دائما
الهدنة الكبرى للنفس
ليست هروبا من العالم
بل عودة إليه بنور جديد.
أن ترى الخراب
فتختار أن تزرع
أن ترى السقوط
فتختار أن ترتقي
أن ترى الألم
فتختار أن تحوله إلى معنى.
الإنسان الحقيقي
لا يقاس بما يملك
بل بعدد المرات التي بدأ فيها من جديد
دون أن يفقد قدرته على الفرح
وها أنا أضع المشاهد الماضية خلفي
لا كذكرى موجعة
بل كجسر عبرته نحو ذات أصفى
ربما أسميها
مشاهد الإيمان
أو عودة الروح
لكن الاسم ليس مهما…
المهم أنني تعلمت
أن الحياة مهما أثقلها الحزن والالم
تخفي تحتها جمرة صغيرة
يكفي أن تنفخ فيها قليلا من الرجاء
لتشتعل نورا
وأن القلب
حين يمتلئ بالله
يصير أوسع من المدن
وأهدأ من الفجر
وأقوى من كل خراب
ومن هنا
تبدأ الحياة من جديد
مع مقام العودة
عثمان عربي


