مقالات وكتاب

مشاهد العودة (٤ ) | [الناس ]  |  عثمان عربي

مشاهد العودة (٤ ) | [الناس ]  |  عثمان عربي

حين وطئت أرض الخرطوم بعد عامين من الغياب أحسست أن المدينة لم تعد كما كانت
كأنها عبرت نهرا من النار وخرجت منه بثياب محترقة
حتى الهواء صار ثقيلا كأن كل نسمة تحمل في طياتها ذكرى رصاصة أو دمعة لم تجد كتفا لتسقط عليه
كانت الخرطوم ساكتة لكن سكونها لم يكن سلاما بل وجعا عميقا يحاول أن يتجلد
من الثورة الحارة ٢١ بدأت خطواتي الأولى
أركب المواصلات العامة كل صباح أجلس قرب النافذة أراقب وجوه الناس وهي تمر أمامي كصفحات من كتاب محروق الأطراف
الوجوه شاحبة متعبة فقدت امتلاءها القديم وصارت تشبه الطين الذي فقد المطر
العيون غائرة كأنها تقيس الحياة بالملعقة تعطيها رشفة ثم تنكفي إلى داخلها والسحنات تغيرت وكأن غرباء قد احتلوها
الناس يتحدثون بفتور بلا رغبة في التواصل بلا حرارة ولا عداء
حتى التحايا القديمة تلك التي كانت تقال من القلب كيفك يا زول صارت تقال وكأنها واجب ثقيل
في سوق صابرين والذي صار متخما بالمتاجر والباعة ومستهدف من قبل كل ذي حاجه ومن كل ذي نهب وسرقة لم أجد السوق الذي أعرفه
الضحكات تلاشت والنداءات صارت قصيرة متقطعة كأنها أنفاس من يلهث
رأيت رجلا يبيع البصل بعينين مطفأتين لا ينادي زبونا لا يساوم فقط يقف
ورأيت امرأة تبيع الطماطم تنظر إلى السماء بين حين وآخر كمن تسألها عن رزقها المعلق
المعاملة صارت خالية من المودة
تدفع المال الكثير فتأخذ حاجتك القليلة بلا كلمة بلا نظرة كأن الوجود بينكما ضرورة غير مرغوبة
وكلما تقدمت في شوارع الثورة من النص إلى الوادي والشقنيطي والشهداء شعرت أن شيئا في الناس قد انكسر
كأن الحرب لم تسرق أموالهم فقط بل سرقت نبرة الصوت وطريقة النظر
تبدلت السحنات غلبت عليها الشحوبة وغابت تلك الملامح النضرة التي كانت تميز أهل الخرطوم
حتى في المواصلات صار الناس ينظرون أمامهم فقط لا حديث لا مجاملة لا ضحك عابر
كل وجه غارق في صمته كأن المدينة كلها أدارت قلبها إلى الداخل
دخلت بعض دواوين الحكومة النيابات أقسام الشرطة المكاتب الإدارية بحكم عملي
فأدركت أن الخراب لم يكن في الشوارع وحدها
هناك رأيت البيروقراطية وقد صارت جلدا جديدا على وجه البلد
الوجوه متجهمة الكلمات قليلة والردود متوترة
تسأل عن معاملة فيرد عليك الموظف كأنه يرد على خصم أو كأنه يخشى أن تثقل عليه بطلبك
تنتظر طويلا فلا أحد يعتذر
كل شيء يجري ببطءٍ مهيب كأن الوقت نفسه مريض
في قسم الشرطة رأيت العسكري يتحدث مع الناس بنبرة عالية لا قسوة فيها بقدر ما فيها من تعب متكلس
وفي النيابة الوكيلة تتحدث بلهجة متعالية لكن خلف عينيها ظل خوف خفي كأنها تخشى أن ينهار النظام كله لو ابتسمت
كأن الكبرياء صار درعا من التعب لا من الغرور
أدهشني أنني كنت هادئًا أمام هذا كله
أنا الذي كنت أغضب لأقل الأسباب صرت أنظر إليهم بهدوء غريب لم استحسنه في نفسي كمن يرى أبناءه وقد خابت ملامحهم
ربما الحرب غيرتنا جميعا
ربما صارت القسوة عندنا نوعا من الدفاع لا عدوانا
فالذي جاع والذي فقد والذي رأى الموت يمر بجواره لا يعود كما كان
يتقوقع في داخله يصير جادا في غير جد وباردا في غير كره
إنه يدير الحياة على مضض فقط كي لا تتوقف
في المستشفيات كان المشهد أوجع
الوجوه هناك أكثر شحوبا والأجساد ممددة كظل بعد الغروب
حمى الضنك والملاريا تفتك بالناس كصمت زاحف لا صراخ فيه
المرضى يتشبثون بالحياة كما يتشبث الغريق بقطعة خشب والأطباء يتحركون بعيون غائرة كأنهم يسهرون منذ دهور
رأيت طفلا يئن على حجر أمه وامرأة تمسح عرق مريض كأنها تخشى أن يبرد قبل أن يودع الدنيا
كل هذا يحدث بلا ضوضاء كأن الخرطوم كلها صارت تسبح سرا بالرضا على ما نزل بها
في المساء حين عدت من وسط الخرطوم عبر شارع الحرية الذي أصبح مليئا بالحياة إلى الأماب ناصر ثم سوق الشجرة والكلاكلة
شعرت أن المدينة تستعيد أنفاسها بسرعة مثل مريض بدأ يتذوق الماء بعد غيبوبة مفاجأة
هناك في الكلاكلة الحياة بدت أقرب إلى طبيعتها الأسواق تعج بالناس الأحاديث أقل حرارة لكن تحت ذلك كله ظل الضعف ظاهرا مثل خيط دم في بياض العين
الناس يبتسمون بفتور ظاهر
يتحدثون بغير حماس وباصوات متقطعه كمن تخشى أن يفر منها الأمل إن أطلق بصوت عال
أدركت أن الخرطوم كلها تسير على وتر واحد النجاة الهادئة
نجاة بلا صوت بلا صخب فقط رغبة في أن تمر الأيام
ولأنني كنت مثلهم وجدت نفسي هادئا على نحو لم أعرفه
كأن الحرب قد نزعت منا الغضب وتركتنا عراة إلا من الصبر
الخرطوم التي عرفتها كانت تحب الحياة حتى في فقرها
أما الخرطوم التي وجدتها فهي تحب الحياة من بعيد كمن يخشى الاقتراب منها كي لا يفقدها مرة أخرى
وربما في ذلك سرها
أنها رغم كل ما جرى لم تمت
بل جلست في صمتها تذكر الله في سرها وتنتظر أن يمر الألم كما يمر الليل
وحين يطلع الفجر ستفتح عينيها وتعود تبتسم
لكن هذه المرة… ستبتسم بهدوء من عرف وذاق ونجا

عثمان عربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى