مقالات وكتاب

مشاهدة العودة ( ٣ ) [ الخرطوم ]  |  عثمان عربي

مشاهدة العودة ( ٣ ) [ الخرطوم ]  |  عثمان عربي

عدت من البحر من بورتسودان التي تشبه صدفة أرهقها الموج إلى عطبرة التي ما زالت تحتفظ بصوت الحديد حين يغني ومن عطبرة إلى أم درمان الي الخرطوم التي بدأت تفتح ذراعيها كأم تنتظر أبناءها الضالين … إلى القلب الذي أرهقه الخفق
وفي وسط الخرطوم وقفت
كنت أراها لا كما ترى المدن عادة بل كما يرى وجه حبيب أصابه السهر والهم لم تكن أنقاضا فحسب كانت فكرة الخراب وقد تأنقت تشربت معانيها حتى صار الفقد نظاماً والبؤس هندسة
الطرقات التي كانت تبتسم للمارة صارت تتجهم …الكهرباء مطفاة كأنها غضبت من النفوس والماء يأتي متثاقلاً كمن أرهقته الخيانات المتكررة
كنت أمشي راجلاً أُحصي بقدمي ما تبقى من البلاد وأقول في نفسي كل هذا سيتغير إن نحن غيرنا نظرتنا إلى الأشياء فليس كل ما حولنا يقرأ بلسان السياسة الحياة أسبق من الحكومات والخبز أولى من الخطابات والاستقرار هو رحم الأحلام كلها
تذكرت حينها كيف صارت أحاديث الناس تبدأ بالحرب وتنتهي بها وكيف ضاعت تفاصيل الحياة بين جمل تبدأ بـ الكيزان وتنتهي بـ وقف الحرب .. نسينا أن للحياة حقها في أن تعاش حتى في زمن الشقاء
ثم عبرت الخراب إلى الذاكرة
رأيت مكتبي كما لو كان جزيرة صغيرة وسط بحر من الرماد هناك كنا نضحك نختلف نتحاب ونعمل بروح واحدة كانت المكاتب تضج بالحياة وكان لكل زاوية حكاية
تذكرت المرحوم الأستاذ عادل محمد عثمان كان اخا وصديقا مقربا ذلك الجميل الذي كان إذا تكلم خرج الود من صوته قبل المعنى رحل قبل أن تنتهي الحرب لكنه ترك فينا أثراً لا ينسى
كان جميلاً في كل شئ ذهب إلى ربه بقلب سليم كأنه استأذننا في الغياب ثم ابتسم ومضى ….
وإلى جواره السكرتيرة خالدة التي كانت تفتح الأبواب بابتسامة تضيء أكثر من المصابيح والمحامون الذين كانت تجمعهم مودة نادرة والزوار الذين لم ينقطعوا عنا مهما ضاقت الحياة
ذلك المكتب كان مرآة لما كان عليه السودان نسيجاً من الود من البساطة من الحياء الجميل الذي فقدناه شيئاً فشيئاً
واصلت السير حتى وصلت إلى موقف جاكسون
كان مزدحماً بالحياة رغم كل شيء الناس يبيعون ويشترون كأنهم يتحدون الدمار بالابتسام ومن هناك مضيت نحو الأحياء الأماب ناصر …الكلاكلة… حيث تتجاور العفة والبؤس النشاط والكسل الفرح والقهر
ورأيت رجال المرور متأهبين كأنهم حراس على حدود الفوضى لا يفوتهم شق في زجاج ولا تأخير في ترخيص يلاحقون المخالفة بجد لا يلين وكأنهم يحمون فكرة النظام وسط هذا الركام لم أغضب منهم بل احترمت فيهم تلك الدقة العنيدة في زمن فقد كل دقته
وقلت في نفسي وأنا أواصل المسير
إن كان للخراب وجه فإن له أيضاً قلبا ينتظر أن يفهم وما الخرطوم اليوم إلا قلب متعب يحتاج أن نعيد إليه نبضه لا خطابه حياته لا شعاراته…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى