مشاهد العودة ( ١ ) | عثمان عربي

مشاهد العودة ( ١ ) | عثمان عربي
خرجت من بورتسودان كمن يخرج من ضيق البحر إلى سعة الذاكرة
أسبوعان في المدينة الساحلية كانا تمرينا على العيش في وطن ما زال يلهث من أثر الحرب لكن الرحلة إلى أمدرمان كانت شيئًا آخر كانت عودة إلى القلب
الطريق طويل وسئ الذكر والغبار كثيف لكن ما أثقل الطريق ليس المسافة بل الذكرى
كنت أعود بعد غياب امتد ثلاث سنوات غياب انكسر في القاهرة حيث فقدت ثلاثة من أعز من أنجبتهم الحياة لي أمي وأخي عمر وأخي بكري
تركوا لي صمتا ثقيلا كالجدار وذكريات تنبض في الليل كأنها أرواح لا تهدأ
في عطبرة وجدت الحياة تركض بجنون كأنها تسابق الفقد
الناس هناك يعيشون بنهم عجيب يبيعون يشترون يضحكون كأن الحرب كانت مجرد شائعة سيئة في نشرة الأخبار
لكن ما بعد الجيلي تغير كل شيء بدأت آثار الخراب تتناثر كحروف محطمة على صفحة الوطن
عربات محترقة بيوت نهبت وحرقت واسلاك كهرباء تتناثر في الطرقات كما تتناثر اكياس البلاستيك وجوه تنظر إليك بنصف ثقة ونصف رجاء
ورغم ذلك كانت الحياة تتسلل بين الشقوق
امرأة تبيع الشاي على كنبة بنصف اتكاءة طفل يعبث بحذاء قديم ورجل يصلح بابا كأنما يصلح باب التاريخ نفسه
وحين وصلت إلى أمدرمان شعرت أنني دخلت مدينة أخرى مدينة لم تمت بل نفضت الرماد عن كتفيها ووقفت
الزحام عاد كأنه لم يغادر الشوارع مكتظة الأصوات تتشابك والناس يتدافعون بالحياة لا بالخوف
الأسواق تضج والبائعون ينادون بعبارات جديدة تليق بعصر البنكك وأوكاش
الما فطر في خطر… شيل فطورك وزبط أمورك… سندة فول الشباب أحلى من الكباب سندة ابو ريا الاحلي من الشيا..سندة ابو دقن الاسمح من الجكن ولقد سمعتها ايضا في الباص باختلاف الاوقات والطعام وانا في طريقي الي امدرمان من عطبرة وكان الأمر يتكرر ولكن في امردرمان بترنيمة اعذب وافصح
ضحكت رغم الحزن
كأن الباعة أنفسهم قرروا أن يصنعوا من الألم أغنية
لكن اللحظة الفاصلة لم تكن في الأسواق ولا في الزحام بل عند باب البيت
حين وصلت إلى منزل الأسرة في الثورة وقفت طويلا أمام الباب كأنني أقف على حدود زمنين
البيت الآن يسكنه غيرنا لكنه ظل بيتي في الذاكرة بيتي في القلب
وقفت عند الباب طويلا أستحضر الوجوه التي كانت تملأ المكان….امي ..بكري ..
لكن حين رفعت عيني نحو الباب تذكرت أن البيت لم يعد لنا فيه ساكنا اخر يستأجره وأن الذين أحببتهم فيه صاروا جزءا من الغيب
لم أدخل لأن الدخول كان يعني أن أواجه الفراغ
وقفت فقط أحيي المكان كما يحيي الغريب أرضا يعرفها أكثر من نفسه ثم مضيت نحو منزل أخي عمر هناك شعرت أن الضحكة قد غادرت المكان إلى الأبد
ذلك البيت الذي كان يضج بالمرح صار صامتا كمسجد في آخر الليل
تذكرت ضحكته العالية طريقته في الترحيب في المزاح في تحويل التعب إلى نكتة وكأن الله وهبه الفرح ليخفف عن الآخرين
لكن البيت بلا ضحك بدا غريبا كأن جدرانه تتساءل عن ساكنها الذي رحل ولم يعد
في تلك اللحظة أدركت أن الحرب ليست ما تفعله المدافع بل ما تفعله الفقدان في القلب
أن الدمار الحقيقي ليس في الجدران المهدمة بل في البيوت التي فقدت ضوءها في الكراسي الخالية التي لا يجلس عليها أحد
ومع ذلك عندما خرجت إلى الشارع رأيت الأطفال يلعبون والنساء يبعن الشاي والرجال يتحدثون عن الأسعار والكهرباء والمواصلات والسياسة
رأيت الحياة نفسها عنيدة تمشي في الطرقات بخطى ثابتة كأنها تقول
نعم مات بعضنا لكننا سنعيش لأجلهم
المدينة كلها كانت تتنفس دفئا جديدا وسمعت في داخلي صوتا خافتا كأنه صدى من عالم آخر
لا تحزن… نحن هنا… في كل مكان عاد إلى الحياة بعد الخراب
عندها فقط فهمت أن العودة لم تكن إلى مدينة فحسب بل إلى حياة تتجدد رغم كل شيء
أمدرمان لم تمت وأنا أيضا عدت للحياة من بين رمادي…
عثمان عربي ..الثورة أمدرمان


