مقالات وكتاب

ظل الدرة   |   عثمان عربي 

ظل الدرة   |   عثمان عربي

في ذلك الصباح الرمادي من صباحات الفاشر
كانت السماء كأنها جثة معلقة بين الرحمة والغضب
كأنها تحبس نفسها عن البكاء
وتراقب الأرض وهي تتفحم من دون أن تحرك ساكنا
امرأة نحيلة تمشي ببطء،
تحمل طفلها على صدر صار أخف من النسيم الذي لا يلامس سوى الأشباح
وعيونها تحمل حريق البيوت وصرخة الأيام الضائعة
كأنها تمشي بين العالم وبين قبره
خلفها دخان يعانق السماء
وأمامها رجال بلا وجوه بلا أعين
كأنهم تتار العصر
يمرون والخراب يتبعهم
والأرض ترتجف كما ترتجف الممالك القديمة حين تمر جيوشها
توقفت المرأة رفعت يديها المرتجفتين وصوتها خرج مبحوحا
يا أولادي بالله… نحنا نازحين ساي… خلونا نمشي والله ما شايلين حاجة… بس دا وليدي دا ضناي
لكن الكلمات تحطمت في الهواء
كأنها لم تكن سوى غبار ينجرف فوق جثث الأحلام
لم يلتفتوا لم يتراجعوا
وجوههم الصلدة كالأرض الجرداء بلا قلب بلا رحمة
يمرون والظلام يتلوهم
سقطت المرأة والطفل على التراب
كأن الأرض ابتلعت قلبها قبل جسدها
والسماء كادت تتشقق من الصمت
لكنها احتفظت برائحة الحليب والبارود الميت
الريح لم تهب
الشمس لم تغب
وكل ما تبقى هو صمت العالم وهو يبتلع براءة ودموع
يا لهذا الوطن…
كم من أم بعد ستسقط وهي تتوسل للحياة
كم من طفل بعد سيغتال في حضن أمه
كم من مرة سيغسل الغبار وجوه الأبرياء بالدم
لم تقتلهم الأيدي وحدها
بل قتلتهم الأرواح الحجرية وصمت العالم وخذلان الأشقاء وعبث المحايدين
قتلتهم نظرات القتلة الذين صاروا تتار العصر
الذين يمشون على الأرض كأنها ملعب للخراب
والسماء تتفرج عليهم بصمت يوحي بالثار ولو بعد حين
لكن الأرض أرض دارفور الجريحة لم تصمت
همست بين رماد الجثتين
دمكم ما حيمشي ساي… يوم النور يجي، والعدل يوقف فوق الخراب ده… والناس تعرف الحكاية من أولها لآخرها…
وفي آخر النهار كانت السماء تتهدج
تميل أخيرا نحو البكاء
كأنها تعترف ولو لمرة واحدة بأن العالم قد فقد قلبه
وأن كل أم وكل طفل
هم الشهداء والظل الدائم للحقيقة
وأن الضوء مهما طال الرماد لن ينطفئ تماما

عثمان عربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى