مسيح دارفور (النبؤة التي تحققت) | عثمان عربي

مسيح دارفور (النبؤة التي تحققت) | عثمان عربي
كأن الرواية كانت نبوءة لا حكاية
كأن الحبر كان دما ينتظر أن يسيل من جديد
عبد العزيز بركة ساكن كتب والريح حملت كلماته إلى الغيب
وحين جاء اليوم نزلت النبوءة على الأرض كسيف من نار
اليوم صارت الرواية واقعا يزحف في الشوارع
ذات الوجوه ذات العربات ذات الصرخات
أطفال يبحثون عن أمهاتهم بين الرماد
ونساء يحملن أرواحهن على أكتاف من خوف
وشيوخ يرفعون أكفهم إلى السماء
يا الله…
كم من رواية كانت تحذيرا لم يسمع
كم من كاتب صرخ بالحبر فلم يسمعه إلا الذين في القبور
اليوم يكتب الدعم السريع الفصل الأخير
لكن بالحريق لا بالكلمات
وبالمدافع لا بالبلاغة
يا دارفور…
يا جرحا صار وطنا ووطنا صار مقبرة
كأن المسيح الذي تنبأ به بركة ساكن
قد عاد لا ليخلص بل ليشهد
يقف على التلال ينظر إلى الخراب ويقول
ألم أقل لكم
إن الجنجويد لا يموتون إنهم يتكاثرون في كل زمن باسم جديد
أواه يا بلاد النيلين
كم مرة تصلب على خشبة الطمع
كم مرة تبيع أرواحها للشيطان بثمن النفط والذهب
كأن لعنة الرمل تلاحقك
كلما سال الدم نبتت من تحته راية جديدة
اليوم لا فرق بين الخيال والواقع
فكلاهما يصرخ من الألم ذاته
الرواية التي كانت تقرأ على مهل
صارت تكتب الآن في شوارع نيالا والفاشر
بمداد من دم وبشهود من بشر لا حول لهم ولا قوة
يا الله…
اهون أن يلج الجمل من ثقب إبرة
من أن يدخل جنجويد ملكوتك
فأي قلب هذا الذي لا يرتجف
وأي بشر هؤلاء الذين يضحكون فوق جثث إخوتهم
يا مسيح دارفور…
إن نبؤتك صدقت
لكنها كانت أغلى من أن تصدق
صدقت لأن الدم أثبتها
ولأن الإنسانية خانتها
يا واسع الرحمة
يا من تمسح على جراح الأرض بأجنحة الغفران
أنزل سكينتك على أرض أنهكها البكاء
على أم تنتظر ابنها ولا تعلم أنه صار خيالا
على طفل يبحث عن لعبة في خرائب الذاكرة
على روح صعدت ولم تجد بيتا في السماء لأن بيتها ما زال يحترق
يا الله اجعل من رمادنا بذورا
ومن دموعنا مطرا يعيد للتراب إنسانيته
علمنا أن نغفر دون أن ننسى
وأن نحمل الوجع كصلاة لا كعقوبة
اللهم…
اجعل دارفور أرضا يمر بها السلام كما يمر الضوء على صفحة النيل
واجعلنا ننهض من بين ركامنا كما تنهض الزهور من فوضى الشتاء
يا مسيح دارفور…
نم قرير العين
فما زال في هذه البلاد من يكتب بالحبر
وما زال في الحبر متسع لمعجزة
عثمان عربي

