دكنيات | دكتور عصام دكين | أنواع الحقوق في الشريعة الإسلامية: كيف نعيد بناء السودان ليَسَع الجميع

صوت الشارع
مقالات وكتاب
دكنيات | دكتور عصام دكين | أنواع الحقوق في الشريعة الإسلامية: كيف نعيد بناء السودان ليَسَع الجميع
دكينيات (1118)
أنواع الحقوق في الشريعة الإسلامية: كيف نعيد بناء السودان ليَسَع الجميع؟
مشروع: العلمانية السودانية Made in Sudan
كيف نبني دولة المواطنة والحقوق والحريات؟ د. عصام دكين
أولاً: تقسيم الحقوق في الشريعة الإسلامية ومفتاح بناء الدولة
تنقسم الحقوق في الفقه الإسلامي، وفق تقسيم فقهي معروف، إلى ثلاثة أنواع رئيسية:
حقوق الله: وهي الحقوق التي يغلب فيها الجانب التعبدي والديني، وتتصل بعلاقة الإنسان بربه، مثل الصلاة والصوم والإيمان والعبادات.
حقوق العباد: وهي الحقوق التي تتصل بعلاقة الإنسان بالإنسان، وتشمل العدل والأمن والتعليم والعمل وحرمة النفس والمال وصيانة الكرامة الإنسانية.
الحقوق المشتركة بين الله والعباد: وهي الحقوق التي تجمع بين البعدين التعبدي والاجتماعي، ومن أمثلتها الزكاة، وبعض الأحكام المتعلقة بالمصلحة العامة.
إن أهمية هذا التقسيم بالنسبة لمشروعنا لا تكمن في نقله حرفياً إلى النظام الدستوري، وإنما في الاستفادة منه لبناء تصور جديد للعلاقة بين الدين والدولة والمجتمع.
فالدولة الحديثة ينبغي أن تكون مسؤولة عن حماية حقوق الإنسان وحرياته ومصالحه العامة، وألا تتحول إلى سلطة تراقب ضمائر المواطنين أو تفرض عليهم تفسيراً واحداً للدين.
ثانياً: أين أخطأت الدولة السودانية منذ الاستقلال عام 1956؟
من أبرز أوجه الخلل في تجربة الدولة السودانية أنها لم تنجح في إقامة التوازن الصحيح بين الحقوق والحريات والواجبات العامة.
ففي مراحل مختلفة، انشغلت السلطة السياسية بفرض تصورات دينية وأيديولوجية على المجتمع، وتدخلت في تفاصيل الاعتقاد والممارسة الشخصية، بينما تعثرت في أداء وظائفها الأساسية المتعلقة بحماية الإنسان وتوفير الأمن والعدالة والتعليم والصحة والعمل.
وبدلاً من أن تكون الدولة حامية للمواطن، تحولت في بعض التجارب إلى سلطة وصاية على حياته الخاصة ومعتقداته.
فدخلت في صراع مع المواطن بسبب دينه ومذهبه وطريقة ممارسته لشعائره، بينما عجزت عن حمايته من الفقر والخوف والفساد وانتهاكات الحقوق.
المفارقة الكبرى أن الدولة التي تريد مراقبة إيمان الناس قد تفشل في مراقبة المال العام، والدولة التي تتدخل في ضمائر المواطنين قد تعجز عن حماية حياتهم وكرامتهم.
ثالثاً: ما العلمانية السودانية Made in Sudan؟
العلمانية السودانية التي ندعو إليها ليست حرباً على الإسلام، ولا إقصاءً للدين من المجتمع، ولا استنساخاً أعمى لتجارب خارجية.
إنها مشروع سوداني لبناء دولة المواطنة المتساوية، يستلهم القيم الإنسانية ومقاصد العدالة والكرامة في التراث الإسلامي، ويؤسس لعلاقة متوازنة بين الدين والدولة.
وتقوم على المبادئ الآتية:
الدولة مسؤولة عن حقوق العباد: حماية النفس والمال والعرض والكرامة، وتوفير الأمن والتعليم والصحة والعدالة والفرص المتكافئة.
الدولة محايدة تجاه المعتقدات: لا تفرض ديناً أو مذهباً أو تفسيراً عقائدياً على المواطنين.
حرية الدين والعبادة مكفولة: تحمي الدولة المسجد والكنيسة والخلوة، وتصون حق المسلم والمسيحي وأتباع المعتقدات الأخرى في ممارسة شعائرهم بحرية.
المواطنة أساس الحقوق والواجبات: لا امتياز لمواطن بسبب قبيلته أو عرقه أو دينه أو لغته أو منطقته.
القانون فوق الجميع: لا يجوز أن تتحول السلطة السياسية أو الدينية إلى حصانة من المساءلة.
إن الدولة لا تدير ضمير الإنسان، لكنها تضمن ألا يتحول اختلاف الضمائر والمعتقدات إلى سبب للتمييز أو الاضطهاد أو العنف.
رابعاً: الضروريات الخمس في الشريعة وحقوق الإنسان السوداني
تقدم مقاصد الشريعة الإسلامية إطاراً مهماً لحماية المصالح الإنسانية الأساسية، من خلال الضروريات الخمس:
حفظ النفس: حماية حق الإنسان في الحياة والأمن والسلامة، ورفض القتل والاضطهاد والاستهداف على أساس الهوية.
حفظ الدين: صيانة حرية الاعتقاد والعبادة، وحماية الإنسان من الإكراه الديني والتمييز بسبب معتقده.
حفظ العقل: ضمان التعليم والمعرفة وحرية التفكير والبحث العلمي، ومحاربة الجهل والتجهيل.
حفظ النسل: حماية الأسرة والأطفال والأجيال القادمة، وصيانة الحقوق الأسرية والإنسانية.
حفظ المال: حماية الملكية الخاصة والعامة، ومكافحة الفساد والنهب والاستيلاء غير المشروع على الممتلكات.
ومن أعظم النصوص القرآنية التي تؤسس لقيمة الحياة الإنسانية قوله تعالى:
﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].
إن هذه الآية تضع قيمة الحياة الإنسانية في منزلة عظيمة، وتجعل حماية النفس من أهم أسس العدالة.
خامساً: كيف انتهكت الحرب والدولة هذه الضروريات في السودان؟
إن المأساة السودانية ليست مجرد أزمة سياسية أو صراع على السلطة، بل هي أزمة عميقة في حماية الإنسان وحقوقه الأساسية.
فقد شهد السودان انتهاكات جسيمة للضروريات الخمس:
حفظ النفس: القتل والنزوح والاستهداف على أساس الهوية، والانتهاكات التي شهدتها دارفور والخرطوم والجزيرة وسنار ومناطق أخرى.
حفظ الدين: توظيف الدين في الصراع السياسي، وتقييد حرية الاعتقاد والممارسة الدينية في بعض المراحل.
حفظ العقل: تعطيل الجامعات والمؤسسات التعليمية، وتدمير البيئة العلمية والمعرفية وحرمان أجيال من حقها في التعليم.
حفظ النسل: تهجير الأسر وتفكيك المجتمعات وتعريض الأطفال والنساء لمخاطر الحرب والانتهاكات.
حفظ المال: تدمير الممتلكات ونهب الأموال والموارد العامة والخاصة، واستمرار الفساد وغياب المساءلة.
وهنا يجب أن نؤكد أن استعادة السودان لا تبدأ بإعادة بناء المباني والمؤسسات وحدها، بل بإعادة الاعتبار للإنسان السوداني وحقوقه وكرامته.
سادساً: دستور السودان الذي يسع الجميع
إن مشروع العلمانية السودانية يقترح تأسيس الدولة على خمسة أعمدة دستورية:
المواطنة المتساوية: جميع السودانيين متساوون في الحقوق والواجبات دون تمييز.
حرية الاعتقاد والضمير: لا إكراه في الدين، ولا وصاية للدولة على المعتقدات الشخصية.
العدالة وسيادة القانون: استقلال القضاء ومحاسبة المسؤولين وحماية الحقوق والحريات.
العدالة الاجتماعية: توفير فرص متكافئة في التعليم والصحة والعمل والتنمية.
التنوع والوحدة: الاعتراف بالتعدد الديني والثقافي والإثني واللغوي باعتباره ثروة وطنية، لا تهديداً للدولة.
إن الدولة التي نريدها لا تسأل المواطن عن قبيلته قبل أن تحميه، ولا عن دينه قبل أن تمنحه حقه، ولا عن منطقته قبل أن توفر له الخدمات.
سابعاً: من الدولة الواعظة إلى الدولة الخادمة
نحن لا نريد دولة تحارب الدين، ولا دولة تحتكر الدين، ولا دولة تستخدم الدين لتبرير الاستبداد.
نريد دولة تحترم الأديان، وتحمي حرية التدين، وتضمن حق غير المتدين في حرية الضمير، وتساوي بين الجميع أمام القانون.
نريد دولة تنفق على التعليم بدلاً من صناعة الجهل، وتحارب الفساد بدلاً من ملاحقة الاختلاف، وتحمي حياة الناس بدلاً من تصنيفهم على أساس الهوية.
الدولة الناجحة ليست التي تعرف مقدار إيمان مواطنيها، وإنما التي يعرف مواطنوها أنهم متساوون في الحقوق، آمنون في حياتهم، أحرار في ضمائرهم، ومحميون بالقانون.
الخلاصة: كيف نبني السودان لكي يسع الجميع؟
العلمانية السودانية Made in Sudan هي مشروع لإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة والعدالة والحرية والكرامة الإنسانية.
إنها محاولة للجمع بين القيم الأخلاقية والإنسانية في التراث الإسلامي، ومبادئ الدولة الدستورية الحديثة، دون إكراه أو إقصاء أو استعلاء ثقافي أو ديني.
نريد سوداناً لا يخاف فيه المسلم من المسيحي، ولا يخاف فيه المسيحي من المسلم، ولا يشعر فيه العربي بالتفوق على الإفريقي، ولا يُقصى فيه أحد بسبب قبيلته أو لغته أو معتقده.
نريد دولة تحمي المسجد والكنيسة والخلوة، وتحمي الجامعة والمستشفى والمدرسة، وتحمي المال العام والملكية الخاصة، وتحمي حق الجميع في الحياة والكرامة والحرية.
فالسودان لا يحتاج إلى دولة تعلّم الناس كيف يختلفون في الدين، بل إلى دولة تضمن لهم حق الاختلاف، وتحميهم جميعاً بالقانون.
السؤال المفتوح لمشروع دكينيات:
هل نريد دولة واعظة تراقب عقائدنا وتتركنا للجوع والخوف والجهل، أم دولة خادمة تحمي حياتنا وحقوقنا وحرياتنا، وتترك علاقتنا بربنا لضمائرنا؟
السودان يسع الجميع… عندما تصبح المواطنة أساس الدولة، والإنسان غايتها، والعدالة دستورها.
د. عصام دكين
مشروع فكري وسياسي: العلمانية السودانية Made in Sudan
من مقاصد الشريعة إلى دولة المواطنة… كيف نبني السودان لكي يسع الجميع؟


