مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | هل أصبحت دارفور دولة منفصلة؟ حميدتي وخطاب اللاعودة.. وما الحل

صوت الشارع

مقالات وكتاب

دكينيات | دكتور عصام دكين | هل أصبحت دارفور دولة منفصلة؟ حميدتي وخطاب اللاعودة.. وما الحل

*دكينيات (2094)*
*هل أصبحت دارفور دولة منفصلة؟ حميدتي وخطاب اللاعودة.. وما الحل؟*

*د. عصام دكين – 27 أكتوبر 2026 – أم درمان*

في خطاب خلال فعالية لتكريم قيادات وشخصيات سودانية، قال محمد حمدان دقلو “حميدتي”: لا سلام مع هؤلاء.. والمعركة قد تصل إلى الخرطوم وبورتسودان ومروي.. وتناول قضايا الحركة الإسلامية، ودور القبائل، وتطبيق القانون، والحوار السوداني السوداني، وموقفه من التفاوض والسلام.

هذا الخطاب ليس مجرد تهديد عسكري، بل هو إعلان سياسي خطير يطرح ثلاثة أسئلة مصيرية أمام كل سوداني:

*أولاً: هل دارفور أصبحت فعلاً دولة منفصلة ولم يبق إلا الإعلان والاعتراف؟*

الواقع على الأرض يقول:

– مطار نيالا يعمل، وعملة جديدة تُتداول، وإدارة مدنية تُشكل، وحدود تُرسم، وخطاب سياسي يتحدث عن “تأسيس”.
– بقية السودان بلا حكومة فاعلة تربط الإقليم بالمركز، لا خدمات، لا طيران، لا بنوك، لا جامعات تعمل بانتظام.
– الحرب قطعت الطريق البري الوحيد، وقطعت معه الإحساس بالدولة الواحدة.

لكن الانفصال القانوني لم يحدث.. لا إعلان رسمي، ولا اعتراف إقليمي أو دولي، ولا حتى قدرة على إدارة إقليم مترامي الأطراف ممزق بالنزوح والمجاعة..

ما يحدث هو *انفصال وظيفي* وليس انفصالاً قانونياً.. دولة الأمر الواقع تتشكل بالسلاح، وليس بالعقد الاجتماعي.. وهذا أخطر أنواع الانفصال، لأنه انفصال بلا اتفاق، انفصال يولد حرباً دائمة.

من توريت 1955 إلى اليوم، كلما عجز المركز عن تقديم عقد عادل، تقدم السلاح ليملأ الفراغ.

*ثانياً: هل بقية السودان تخلى عن دارفور؟*

نعم.. ولا.. في آن واحد.

نعم، تخلى عنها الوجدان الرسمي.. عندما أصبحت أخبار دارفور تُنشر كأخبار دولة مجاورة.. عندما لا تجد مأساة الفاشر ونيالا وزالنجي في نشرات الخرطوم إلا كخبر عابر.. عندما يُترك 10 ملايين نازح لمصيرهم على حدود تشاد.

ولا، لم يتخل عنها الشعب.. لأن كل أسرة في أم درمان والجزيرة والشرق لها قريب نازح من دارفور.. ولأن السودانيين يعلمون بالفطرة الأنثروبولوجية أن صفاتهم الأصلية هي السلام والوفاء، وليس الحرب.

المشكلة ليست في الشعب، بل في *المنظومة التي جعلت الكذب شطارة والصدق عاراً* – كما كتبنا في دكينيات (2091). منظومة تبيع الضمير بكرسي، وتتحدث في برلين عن المعاناة الإنسانية وهي تمول السلاح.

بقية السودان لم يتخل عن دارفور بإرادته، بل تم إبعاده عنها بقوة السلاح والخطاب الإقصائي من الطرفين.

*ثالثاً: ما هو الحل؟*

لا حل عسكري.. خطاب “المعركة ستصل إلى الخرطوم وبورتسودان ومروي” وخطاب “لا سلام مع هؤلاء” المقابل، هما وجهان لعملة واحدة.. عملة اسمها *دولة غير صالحة للعيش*.

الحل الذي أطرحه في مشروع *العلمانية السودانية* هو:

*1. الاعتراف بالحقيقة:* السودان اليوم دولتان وظيفياً.. وإنكار ذلك لا يوحد السودان، بل يؤجل انفجاره.. الوحدة لا تُبنى بالشعارات، بل بالعقد.

*2. وقف فوري لإطلاق النار الإنساني:* ليس سلام المحاصصة، بل سلام يسمح بدخول الغذاء والدواء، وعودة النازحين، وفتح مطار نيالا وبورتسودان للمساعدات لا للسلاح.

*3. تسوية سودانية – سودانية على نظام الحكم:* لا حوار ثنائي بين جنرالين، بل حوار قاعدي يشمل:
– المواطنة المتساوية أساس الحقوق
– فصل إدارة الدولة عن احتكار أي جماعة دينية أو عرقية أو قبلية
– حكم فدرالي حقيقي يجعل دارفور تحكم نفسها ضمن السودان الموحد، لا دولة منفصلة
– جيش مهني واحد وقضاء مستقل وضمانات دولية

*4. كسر جدار الرداءة:* من دولة تقيس الشطارة بالكذب إلى دولة تقيس الصلاح بالعمل الصالح.. من دولة تكسر النفيس إلى دولة تحمي النفيس وتوفر له وجبة وأماناً وعدالة.

> دارفور لم تنفصل لأنها لا تريد السودان.. بل لأن السودان لم يقدم لها عقداً عادلاً حتى الآن..
> وبقية السودان لم يتخل عن دارفور، بل تم اختطاف قراره..

النفيس لا يُكسر.. بل يُخبأ حتى يأتي زمنه.. وزمنه هو عندما يصبح الصدق ليس عاراً بل قانوناً.. وعندما يصبح السلام ليس وعداً كاذباً بل وجبة وأمان وعدالة.

*د. عصام دكين*

عصام دكين

أنا دكتور زراعي ضل طريقه إلى عالم السياسة الكذوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى