Uncategorized

من رفاعة | توثيق : أسعد أبوزيد | عصمت إبراهيم محمد نور

صوت الشارع

شخصيات سودانية

من رفاعة | توثيق : أسعد أبوزيد | عصمت إبراهيم محمد نور

من ذاكرة رفاعة

عصمت إبراهيم محمد نور

رحلة بين رسالة التعليم وشرف الخدمة الشرطية

النشأة والجذور الأسرية

وُلد الأستاذ والضابط عصمت إبراهيم محمد نور عام 1953م، ونشأ في مدينة رفاعة، تلك المدينة التي أنجبت رجالاً حملوا العلم رسالة، والعمل أمانة، وخدمة المجتمع واجباً لا ينقطع.

والده إبراهيم محمد نور عبداللطيف، الذي عمل موظفاً بمجلس بلدية كوستي، وينتمي إلى عائلة عبداللطيف برفاعة، وهي من الأسر العريقة التي عُرفت بإسهاماتها الممتدة في ميادين التعليم والتجارة والإدارة ومختلف مجالات الحياة في ربوع السودان.

أما والدته فهي زينب أبوزيد محمد زين، شقيقة الرائدات بنات أبوزيد، وتنتمي إلى أسرة عُرفت بجهودها المقدّرة في نشر التعليم وخدمة المجتمع في بقاع السودان المختلفة.

وقد نشأ عصمت في بيئة تقدّر العلم والعمل، وتؤمن بأن قيمة الإنسان فيما يقدّمه لأهله ومجتمعه ووطنه.

التعليم.. رسالة أحبها وورثها عن أسرته

تلقّى عصمت تعليمه الابتدائي والمتوسط بمدينة رفاعة، ثم التحق بمعهد التربية بالدلنج، وتخرّج فيه معلماً بالمرحلة الابتدائية، متخصصاً في تدريس الرياضيات والعلوم.

ولم يكن التعليم بالنسبة إليه مجرد وظيفة يؤديها، بل كان رسالة أحبها، ومهنة وجد فيها ذاته، وامتداداً طبيعياً لإرث أسرته الذي ارتبط بالعلم والمعرفة وتربية الأجيال.

عمل معلماً في منطقة طابت بالجزيرة، ثم عاد إلى رفاعة ليعمل بمدرسة الطيب التوم، المعروفة سابقاً بالمدرسة الغربية.

وقد تميّز بحبه الصادق لمهنته، واهتمامه بتلاميذه،

وحرصه على تنمية مواهبهم، ولم يحصر دوره في حدود الفصل الدراسي، بل امتد عطاؤه إلى المناشط التربوية والموسيقى والمسرح، إيماناً منه بأن التربية الحقيقية لا تكتمل بالكتاب والدرس وحدهما، وإنما ببناء الشخصية وصقل المواهب وغرس القيم.

كان التعليم حاضراً في وجدانه، وظل حبه له راسخاً حتى بعد أن غيّرت الحياة مسار رحلته المهنية.

من محراب التعليم إلى ميدان الشرطة

تغيّرت مسيرة عصمت المهنية، فالتحق بالمرحلة الثانوية، ثم بكلية الشرطة، ليتخرج فيها ضابطاً بقوات الشرطة السودانية.

وكان انتقاله من التعليم إلى الشرطة انتقالاً بين ميدانين مختلفين في طبيعة العمل، لكنهما يلتقيان في جوهرهما؛ فالمعلم يبني الإنسان بالعلم والتربية،

والشرطي يسهم في حماية المجتمع وحفظ الأمن وصون النظام.

بدأ عمله الشرطي بمدينة كوستي، حيث كان والده يعمل، ثم تنقّل في محطات مهنية متعددة، حمل خلالها مسؤولياته إلى أقاليم السودان المختلفة.

رحلة شاقة في ربوع السودان

كانت حياة عصمت المهنية حافلة بالتنقل والترحال، ولم يكن طريقه مفروشاً بالراحة أو خالياً من المشاق. فقد اقتضت طبيعة عمله الشرطي أن ينتقل بين مدن ومناطق متباعدة، وأن يؤدي واجبه حيث تقتضي المسؤولية، بعيداً عن الاستقرار الدائم وقرب الأهل.

ومن أبرز محطات خدمته:

كوستي: بداية عمله في قوات الشرطة.

ربك: حيث عمل بشرطة ولاية النيل الأبيض.

كادوقلي: في جبال النوبة، بجنوب كردفان.

ود مدني: بولاية الجزيرة.

رفاعة: حيث تولّى إدارة المباحث برئاسة شرطة رفاعة.

كتم: بمنطقة كتم في ولاية شمال دارفور، وكانت آخر محطات خدمته الشرطية.

وهكذا مضى في رحلة مهنية طويلة، من النيل الأبيض إلى جنوب كردفان، ومن الجزيرة إلى شمال دارفور، متنقلاً بين البيئات المختلفة، متحملاً مشاق السفر ومتطلبات العمل، ومؤدياً واجبه في مواقع متباعدة من وطنه.

وقد اتسم أداؤه في الشرطة بالانضباط والدقة والاهتمام بتطوير العمل، وهي صفات تعكس شخصية تؤمن بأن المسؤولية ليست منصباً يُشغل، بل أمانة تُؤدّى وواجباً ينبغي الوفاء به.

وفي محطة كتم بشمال دارفور، اختتم مسيرته في الشرطة، حيث أُحيل إلى التقاعد برتبة عميد إبان حكم الإنقاذ، بعد سنوات من الخدمة والتنقل في ميادين العمل الشرطي.

التعليم لم يغادر وجدانه

بعد سنوات من العمل الشرطي، هاجر عصمت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث أمضى أعواماً عديدة، قبل أن يعود إلى السودان.

لكن التعليم الذي أحبه في بدايات حياته لم يكن مجرد فصل من الماضي، ولم تطوِ سنوات الشرطة صفحته من وجدانه؛ فقد ظل معلماً بروحه واهتمامه، تراه بين الحين والآخر يعود إلى التدريس، وكأن رسالة التعليم كانت تناديه كلما ابتعد عنها.

وهنا تتجلى إحدى أبرز ملامح شخصيته؛ فبعض المهن تنتهي بانتهاء الخدمة، أما الرسالة التي تستقر في القلب فلا تعرف التقاعد.

شخصية اجتماعية.. وعطاء يتجاوز حدود الوظيفة

لم يكن عصمت ابن المهنة وحدها، بل كان ابن المجتمع الذي عاش بين أهله وتواصل مع مختلف فئاته.

اتسم بشخصية اجتماعية محبوبة، وكان حريصاً على التواصل مع الجميع، وتقديم العون والخدمة كلما استطاع، سواء من خلال مواقع عمله أو في علاقاته الاجتماعية والإنسانية.

وكان مبادراً إلى فعل الخير، مثقفاً واسع الاطلاع، حسن الحديث، لا يملّ من يجالسه الاستماع إليه، لما يمتلكه من خبرة وتجارب ومعرفة اكتسبها من تنقله بين مناطق السودان المختلفة، ومن احتكاكه بالناس وتفاعله مع قضايا المجتمع.

لقد جمع بين تجربة المعلم الذي يعرف قيمة الإنسان، وخبرة الضابط الذي يدرك معنى المسؤولية، وروح المواطن الذي يرى في خدمة الآخرين واجباً أخلاقياً قبل أن تكون تكليفاً وظيفياً.

الحياة الأسرية

تزوج الأستاذ عصمت إبراهيم محمد نور من الأستاذة خالدة محمد عثمان، ابنة أخت الأساتذة الرواد عبدالرحمن ومصطفى ومبارك محمد سعيد.

ورُزق بأبناء ناجحين، ساروا في دروب الحياة، وحققوا نجاحات في مجالاتها المختلفة، فكانوا امتداداً لمسيرة أسرية تقدّر التعليم والعمل والاجتهاد.

الرحيل.. وأمنية العودة إلى الوطن

مع اندلاع الحرب في السودان، نزح عصمت وأسرته إلى جمهورية مصر العربية، بحثاً عن الأمان في زمن اضطربت فيه الحياة، وتفرّقت فيه الأسر، وأُجبر كثير من السودانيين على مغادرة ديارهم.

وبينما كان يستعد للعودة إلى وطنه، ودياره، وأهله، بعد رحلة النزوح والاغتراب، باغتته المنية في القاهرة عام 2026م.

رحل قبل أن تتحقق أمنية العودة، وقبل أن تطأ قدماه أرض الوطن من جديد، تاركاً وراءه سيرة إنسان جمع بين التعليم والشرطة، وبين حب المعرفة وخدمة الناس، وبين مشقة الواجب ودفء العلاقات الإنسانية.

رحل عصمت، لكن ما يتركه الإنسان من أثر طيب لا يرحل برحيله؛ فتبقى ذكراه في قلوب أسرته وأصدقائه وزملائه وتلاميذه، وفي ذاكرة مدينة رفاعة التي شهدت نشأته وبدايات عطائه.

ترقيته إلى رتبة لواء معاش.. تكريم لمسيرة العطاء

وتقديراً لما بذله من جهود خلال سنوات خدمته الطويلة في قوات الشرطة، وما اتسم به أداؤه من انضباط ودقة وتفانٍ في أداء الواجب، تمت ترقيته إلى رتبة لواء معاش عام 2020م، تكريماً لمجهوداته وتقديراً لعطائه في خدمة الشرطة والوطن.

وجاءت هذه الترقية لتضيف صفحة تقدير إلى سجل رجل أمضى سنوات من عمره متنقلاً بين أقاليم السودان المختلفة، متحملاً مشاق العمل والترحال، ومؤدياً واجبه في مواقع متعددة، حتى استحق أن يُذكر بما قدمه من جهد وإخلاص.

دعوة للوفاء والدعاء

هذه السيرة ليست مجرد استعراض لمحطات حياة، بل هي تحية وفاء لرجل تنقّل بين ميادين التعليم والشرطة، وخاض مشاق العمل والترحال في أقاليم السودان المختلفة، وظل يحمل في داخله حب التعليم، وروح الخدمة، وحرصه على التواصل مع الناس وخدمتهم.

وهي دعوة إلى تلاميذه، وزملائه، وأهله، وأصدقائه، وكل من عرفه أو قرأ سيرته، أن يذكروه بالدعاء الصادق، وأن يستحضروا ما تركه من أثر طيب في حياة من حوله.

اللهم اغفر لعصمت إبراهيم محمد نور وارحمه رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناتك، واجعل ما قدّم من علم وعمل وخير في ميزان حسناته، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى