مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | أين أنتم يا ولاة الأمر؟ | حين يصبح الدم السوداني رخيصًا

صوت الشارع

مقالات وكتاب

قلم حر | نسيبة خالد | أين أنتم يا ولاة الأمر؟ | حين يصبح الدم السوداني رخيصًا

 

بقلم: نسيبة خالد | قلم حر
ليست المأساة أن يفقد السودان أبناءه فحسب، بل أن تتكرر الفواجع حتى يصبح الموت خبرًا عابرًا، والدمعة مشهدًا مألوفًا، وصرخة الأسر المكلومة صوتًا يتردد في الفراغ دون أن يجد الإجابة التي تليق بحجم الوجع.
أين أنتم يا ولاة الأمر، حين يُفجع الوطن في أبنائه؟ وأين أنتم حين يصبح البحث عن لقمة العيش مغامرةً محفوفةً بالمخاطر، وحين تظل الأسر معلقةً بين الخوف والانتظار، لا تعرف مصير أبنائها ولا تجد من يطمئن قلوبها؟
إنها ليست مجرد أسئلة عاطفية أطلقها الحزن، وليست محاولة لاستثمار المأساة في معركة سياسية عابرة؛ إنها صرخة مواطن سوداني يرى أن حياة الإنسان يجب أن تكون خطًا أحمر، وأن كرامة السوداني لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الجغرافيا، أو طبيعة العمل، أو ضعف الإمكانات، أو غياب النفوذ.
أبناء السودان ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار
إن أبناء السودان العاملين في مناطق التعدين شمال الوادي ليسوا مجرد أسماء تُذكر عند وقوع الكارثة، ولا أرقامًا تُضاف إلى حصيلة الضحايا، ثم تمضي الحياة وكأن شيئًا لم يحدث.
خلف كل واحد منهم أسرة، وأم تنتظر، وأبناء يحلمون بمستقبل أفضل، وزوجة ربما كانت تنتظر عودة زوجها ليحمل إليها ما تيسر من رزق. خرجوا بحثًا عن الحياة، عن فرصة عمل، عن لقمة عيش تحفظ كرامتهم في زمن ضاقت فيه سبل الرزق واتسعت فيه دوائر المعاناة.
فأي وجع أكبر من أن يغادر الإنسان بيته طلبًا للحياة، ثم تتحول عودته إلى أمنية، ويصبح مصيره سؤالًا تتناقله الألسن دون إجابة شافية؟
إننا أمام قضية تتجاوز حدود الحزن الفردي إلى سؤال أكبر يتعلق بمسؤولية المؤسسات، وواجب حماية المواطنين، وحق الأسر في المعرفة، وحق المجتمع في أن يفهم ما جرى، وما الذي ستفعله الجهات المختصة حتى لا تتكرر المأساة.
المسؤولية ليست منصبًا ولا وجاهة
يا ولاة الأمر، إن المسؤولية العامة ليست مقعدًا يُشغَل، ولا لقبًا يُرفع، ولا بيانات تعزية تُصدر عند اشتداد الغضب. المسؤولية التزام يومي تجاه الإنسان، وامتحانها الحقيقي يظهر في أوقات الأزمات، حين يحتاج المواطن إلى من يقف إلى جانبه، ويتابع قضيته، ويكشف له الحقيقة.
أين التحرك الواضح لمعرفة ملابسات ما حدث؟ أين التواصل مع أسر المتضررين؟ أين المعلومات الرسمية الدقيقة التي تضع حدًا للشائعات، وتحترم حق الناس في معرفة الحقيقة؟ وما الإجراءات التي اتُخذت لحماية العاملين في مناطق التعدين، وتقييم المخاطر التي يتعرضون لها؟
هذه أسئلة مشروعة، ولا ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها خروجًا على المسؤولية الوطنية أو تشكيكًا في المؤسسات. فالمساءلة ليست عداوة، والنقد ليس خيانة، والمطالبة بالشفافية ليست انتقاصًا من الدولة؛ بل هي من صميم بناء دولة تحترم مواطنيها وتتعامل مع حياتهم باعتبارها أولوية لا تقبل التأجيل.
إن المواطن الذي يسأل عن مصير أبناء وطنه لا يطلب امتيازًا، بل يطالب بحق أصيل. ومن يتولى الشأن العام عليه أن يدرك أن ثقة الناس لا تُكتسب بالشعارات، وإنما بالعمل والوضوح والنتائج.
التعدين والرزق المغموس بالمخاطر
لقد دفعت الظروف الاقتصادية القاسية كثيرًا من السودانيين إلى البحث عن فرص الرزق بعيدًا عن مناطقهم وأسرهم. وأصبح العمل في بعض المناطق النائية خيارًا تفرضه الحاجة، لا رفاهية يختارها الإنسان.
وهنا تبرز مسؤولية الجهات المختصة في ضمان الحد الأدنى من السلامة، ومراجعة ترتيبات الحماية والرقابة، والتأكد من وجود آليات فعالة للتعامل مع الحوادث والطوارئ، فضلًا عن توعية العاملين بحقوقهم ومخاطر بيئات العمل.
ليس مقبولًا أن تظل سلامة العامل مسألة ثانوية، أو أن تُترك الأسر لمواجهة نتائج الكوارث وحدها. فالثروة التي تُستخرج من باطن الأرض لا ينبغي أن يكون ثمنها أرواح البشر، والتنمية التي لا تحمي الإنسان تفقد أهم معانيها.
إننا بحاجة إلى مراجعة جادة لواقع العاملين في مناطق التعدين، وإلى إجراءات واضحة تضمن سلامتهم، وتحدد المسؤوليات، وتمنع الإهمال، وتوفر الاستجابة السريعة عند وقوع أي طارئ.
نطالب بالحقيقة، لا بالتخمين
إن حجم الألم لا يعفينا من مسؤولية التثبت، ولا يمنح أحدًا الحق في إطلاق الاتهامات دون أدلة. فالحقيقة هي أساس العدالة، والعدالة لا تُبنى على الشائعات أو الاستنتاجات المتسرعة.
لذلك، فإن المطلوب من الجهات السودانية المعنية، والبعثات الدبلوماسية والقنصلية ذات الصلة، التحرك وفق اختصاصاتها، والتنسيق مع السلطات المختصة، والتحقق من تفاصيل الواقعة، والتواصل مع الأسر، وتقديم الدعم اللازم للمتضررين، وإعلان المعلومات التي تثبت صحتها بكل شفافية.
وإذا أثبتت التحقيقات وجود تقصير أو إهمال، فلا بد من محاسبة عادلة وفق القانون، بعيدًا عن التستر أو تصفية الحسابات. أما إذا كشفت الوقائع عن أسباب أخرى، فمن حق الناس أيضًا أن يعرفوا الحقيقة كاملة، لا أن يظلوا أسرى روايات متضاربة.
وفي هذا السياق، ينبغي التعامل مع صور الضحايا ومشاهد الفاجعة باحترام، والتحقق من مصادرها قبل نشرها، وصون كرامة الموتى وخصوصية أسرهم؛ فليس من الإنسانية أن يتحول الألم إلى مادة للإثارة، وليس من الصحافة المهنية أن تُنسب الصور إلى أحداث لم يُتحقق منها.
من يحمي المواطن السوداني؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يشغل كل مسؤول، وكل مؤسسة، وكل صاحب قرار.
من يحمي المواطن حين يغادر وطنه بحثًا عن الرزق؟ من يتابع أوضاعه حين يعمل في مناطق بعيدة؟ من يقف إلى جانب أسرته حين تقع الفاجعة؟ ومن يضمن أن صوته لن يضيع وسط تضارب التصريحات وانشغال المسؤولين؟
إن الدولة التي نطمح إليها ليست دولةً تكتفي بالحضور بعد الكوارث، بل دولة تعمل قبل وقوعها، وتستشعر المخاطر، وتضع الخطط، وتتحرك لحماية الناس. دولة لا تنتظر حتى تمتلئ منصات التواصل بالغضب لتبدأ في الالتفات إلى قضية كان ينبغي أن تكون موضع متابعة منذ البداية.
والأهم من ذلك كله أن يشعر المواطن بأن حياته لها قيمة، وأن حقوقه مصونة، وأن هناك جهة مسؤولة تستمع إليه وتتابع قضيته دون تمييز.
فلا يجوز أن يصبح الفقير أقل حظًا في الحماية، ولا أن يكون العامل البسيط آخر من يصل إليه الاهتمام، ولا أن تتراجع حقوق الإنسان أمام حسابات السياسة أو المصالح أو الإجراءات البيروقراطية.
يا ولاة الأمر… الصمت لا يداوي الجراح
إن الصمت في أوقات الفواجع يفتح أبواب الأسئلة، ويضاعف قلق الأسر، ويترك مساحة واسعة للشائعات. أما التواصل المسؤول، القائم على الحقائق، فيمنح الناس ما يحتاجون إليه من وضوح، ويؤكد أن قضاياهم ليست منسية.
لسنا بحاجة إلى خطابات طويلة تُحسن وصف الألم، بقدر حاجتنا إلى خطوات عملية يمكن قياسها: معلومات موثوقة، وتواصل مستمر مع الأسر، وتحقيق مهني، ومحاسبة عند ثبوت التقصير، وخطط واضحة لحماية العاملين.
ولا ينبغي أن ينتهي الاهتمام بانتهاء موجة التداول على منصات التواصل؛ فحقوق الأسر لا تنتهي بانتهاء الأخبار، وواجب المؤسسات لا يسقط لأن الجمهور انتقل إلى قضية أخرى.
إن كرامة الدولة تبدأ من كرامة مواطنها، وهيبة المؤسسات لا تُصان بإسكات الأسئلة، بل بالإجابة عنها وتحمل المسؤولية.
السودان أكبر من أن يعتاد الفقد
يا أبناء السودان، إن الحزن على الراحلين لا ينبغي أن يتحول إلى استسلام، ولا أن تصبح كثرة الفواجع سببًا في اعتيادها. علينا أن نتمسك بحقنا في الحقيقة، وأن نطالب بالعدالة، وأن نرفض استسهال حياة الإنسان، وأن نتمسك بقيم التضامن والرحمة في مواجهة الألم.
إن هذا الوطن، الذي أنهكته الحرب والتشرد وضيق سبل العيش، لا يحتمل مزيدًا من الخسارات التي تمر دون مراجعة أو مساءلة. فكل روح سودانية لها حرمتها، وكل أسرة مكلومة تستحق الاهتمام، وكل مواطن له الحق في أن يعمل ويعيش بكرامة وأمان.
أين أنتم يا ولاة الأمر، حين يصبح الدم السوداني رخيصًا؟
ليس المطلوب إجابة لغوية جميلة، ولا بيانًا يهدئ الغضب لساعات؛ المطلوب موقف واضح، وتحرك مسؤول، وحقيقة معلنة، وعدالة لا تستثني أحدًا.
رحم الله من رحلوا، وألهم أسرهم الصبر والسلوان، وحفظ أبناء السودان أينما كانوا، وجعل لهذا الوطن من بعد المحنة فرجًا، ومن بعد الألم سلامًا، ومن بعد الفقد دولةً تصون حياة الإنسان ولا تترك أبناءها وحدهم في مواجهة المصير.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى