مقالات وكتاب

مقام العودة ( 7 ) | عثمان عربي | مقام الفتنة

مقام العودة ( 7 ) | عثمان عربي | مقام الفتنة

 

الفتنة ليست مجرد صوت الرصاص أو صمت البيوت

هي الخطر والظلام الذي يقترب منا

هي النار التي تترك أثرها حتى في خطواتنا اليومية

فتختبر صبرنا وإيماننا بكل شيء حولنا

ليس كل دوران طوافا

فبعض الدوران تيه

وبعض السعي هروب من سؤال أكبر من أقدامنا

في المسجد الحرام

تعلمت أن المركز واحد

وأن من فقد مركزه طال عليه الدوران

لكن في ساحة الحرب في السودان

رأيت تيارات يدورون…

لا حول يقين

بل حول خصومة قديمة

قالوا نحن على الحياد

وقفوا بين نارين

ورفعوا راية الرماد

غير أن الحياد في زمن الدم

ليس دائما فضيلة المتطهرين

أحيانا يكون عباءة واسعة

تخفي ميلا صغيرا في القلب

والقلب إذا مال

تبعه البيان

ثم تبعته الخطوة

ثم صار الميل موقفا مكتوبا في دفاتر التاريخ

في الطواف

لا يجوز أن تجعل الكعبة خلف ظهرك

ولا أن تختار لنفسك مركزا آخر

وفي الفتنة

لا يجوز أن تجعل الوطن تفصيلا

ولا أن تختار للخراب اسما آخر

بعض التيارات خاصمت الجيش سنينا

فلما اشتعلت الحرب

رأت في ضعفه خلاصا

وفي خصمه فرصة

نسيت أن الجراح حين تتسع

لا تسأل

من كان خصمك البارحة

بل تسأل

هل بقي لك سقف تأوي إليه

السالك إلى الله

يتجرد من حظ نفسه

أما السالك إلى السياسة

فكثيرا ما يتخفف من وطنه

ليحمل حزبه

قالوا المؤسسة أخطأت

نعم

وكل بشر يخطئ

لكن بين إصلاح البيت

وهدمه على ساكنيه

فرق يشبه الفرق

بين جراح يقص الداء

وسيف لا يرى إلا الدم

المؤسسة تقوم

أما الفوضى

فلا تروض

في السعي بين الصفا والمروة

لم تركض هاجر لأنها تحب الركض

بل لأن خلفها رضيعا

وأمامها صحراء

لم تكن محايدة

بين الماء والعطش

لم تقل

سأقف في المنتصف

حتى تتصالح الرمال مع الشمس

انحازت للحياة

ركضت ضد اليأس

ركضت ضد الفناء

وهكذا كل أمة

إذا لم تنحز لبقائها

انحازت ولو بالصمت لزوالها

بعضهم قال

نتعامل مع القوة كما هي

فالواقع أقسى من الأحلام

لكن العارف يعلم

أن كل قوة بلا ميزان

ظل زائل

وأن السلاح إذا خرج من محراب الدولة

لم يعد حارسا

بل صار شهوة تمشي على قدمين

من ظن أنه يستخدم العاصفة

لينظف الساحة من خصمه

قد يستيقظ

ليجد العاصفة قد اقتلعت الساحة نفسها

ليست القضية جيشا ومليشيا

ولا حزبا وآخر

القضية

هل يبقى الكيان

ليختلف داخله

أم يهدم الكيان

بحجة إصلاح حيطانه

العارف بالله

لا ينحاز للعصبيات

لكنه ينحاز للنظام على الفوضى

وللحياة على العبث

وللعدل الممكن على الخراب الكامل

رأيت في الفتنة

قوما يلبسون ثوب الثورة

وقلوبهم معلقة بخصومة

ورأيت قوما يرفعون شعار السلام

ولا يسمعون صراخ البيوت المنهوبة

السلام ليس بيانا

والحياد ليس دائما حكمة

أحيانًا يكون السلام

أن تقول للقاتل قف

وللمخرب ليس لك هذا الوطن

كما أن الطواف يعلمك

أن تجعل المركز ثابتا

وتتحرك أنت

فإن السياسة تعلمك

أن تجعل الوطن ثابتا

وتتحرك خصوماتك داخله

لا أن تحرق الوطن

لتنتصر في خصومة

في نهاية السعي

تفجر زمزم

لا لأن الصحراء رقت

بل لأن أما رفضت الاستسلام

وكذلك الأوطان

لا تتفجر فيها ينابيع النجاة

إلا حين ينحاز أهلها

لبقائها

لا لحساباتهم

الفتنة اختبار قلب

هل يدور حول جراحه القديمة

أم حول يقين البقاء

ومن جعل خصومته مركزه

تاه

ومن جعل الوطن مركزه

اهتدى

اللهم

كما رددتنا من السعي إلى الطواف

ومن الطواف إلى السكينة

ردّ أوطاننا إلى مراكزها

ولا تجعلنا ممن داروا طويلا

ثم اكتشفوا

أنهم كانوا يدورون

حول خراب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى